محمد بن زكريا الرازي

526

المنصوري في الطب

كل ناحية وجهة من جانبي بغداد ( الكرخ والرصافة ) وفي وقت واحد ، شقة لحم خروف ذبح لساعته . وبعد يوم كامل ينظر إلى اللحم ، فأي شقة لم يفسد فيها اللحم بسرعة يعتبر الموضع الذي هي فيه موضعا ملائما لإقامة البيمارستان عليه « 8 » . وهكذا كان . ولما اكتمل البناء وجهز بكل ما يحتاجه من فراش ومستلزمات ودواء ، اختير الرازي ليشرف عليه ويكون رئيسا لاطبائه . وقد أصبح الرازي إمام وقته - كما قال ابن خلّكان - . وأوحد دهره وفريد عصره كما وصفه ابن النديم - . فطبقت شهرته الآفاق ، وأخذت جموع المرضى تقصده وتشد الرحال إليه من كل مكان . فكان بارا بهم . يقوم برعايتهم . ويجتهد في علاجهم ويعمل على برئهم بكل وسيلة . وكان حسن الرأفة بالأعلّاء والفقراء ويعالجهم بالمجان « 9 » ، ويسهر الليالي في خدمة عليل أو شك على الهلاك حتى يشفيه كما كان حريصا على نصح الأطباء الذين يعملون معه وتعليمهم اسرار المهنه . وفي ذلك يقول : ( الأطباء الأمّيون والمقلّدون ، والاحداث الذين لا تجربة لهم ، ومن قلّت عنايته وكثرت شهواته ، قتّالون ) . ومن نصائحه للأطباء قوله : ( إن استطاع الحكيم أن يعالج بالأغذية دون الأدوية فقد وافق السعادة ) . وقوله ( ينبغي للطبيب أن يوهم المريض أبدا بالصحة ويرجيه بها ، وإن كان غير واثق بذلك . فمزاج الجسم تابع لأخلاق النفس ) . وقد اختطّ الرازي لنفسه منهجا خاصا في عمله ، واتبّع أسلوبا يغاير ويخالف به من سبقه من الأطباء اليونانيين وغيرهم . ذلك هو المنهج التجريبي . حيث كان يضع المعلومات الطبية النظرية تحت الاختبار ، فما كان منها مصداقا للتجربة والملاحظة اصطفاه ، وما لم تؤيده التجربة

--> ( 8 ) منهج البحث العلمي عند العرب - د . جلال محمد موسى ( 9 ) عيون الأنباء ج 1 ص 118 - ابن أبي اصيبعة