محمد بن زكريا الرازي
527
المنصوري في الطب
والواقع نبذه . كما كان يدوّن ما يحصل عليه من نتائج مفيدة ليضعه بين أيدي جمهور الأطباء والطلاب ليقرؤوه . وقد جمع ذلك في كتاب أسماه ( قصص وحكايات المرضى ) « 10 » . ولم يقتصر الرازي على ذلك فحسب ، بل كان يتفحّص ويدرس بإمعان كل الأشياء والمواد التي استعملها من سبقه من الأطباء ويتفهّم خواصها ، ويحذّر من قبول هذه الخواص دون التثبّت منها بالتجربة . فقد يكون في ترك واحدة إغفال لخاصة نافعة . وفي ذلك يقول في مقدمة كتابه ( الخواص ) « 11 » : ( لا ينبغي أن ندع شيئا نؤمل فيه نفعا من أجل أن قوما جهلوا وتعدوا ، وقد كان الواجب عليهم لو كانوا أهل رأي وتثبت وتوقف أن لا يبادروا إلى إنكار ما ليس عندهم على بطلانه برهان ) . ولكنه مع ذلك فإنه يقول ( متى كان اقتصار الطبيب على التجارب دون القياس وقراءة الكتب ، خذل ) . فلكي يتحقق الرازي من أثر الفصد كعلاج لمرض السرسام . قسم مرضاه إلى مجموعتين ، عالج إحداهما بالفصد وامتنع عن فصد الأخرى . ثم راقب الأثر والنتيجة في أفراد المجموعتين حتى انتهى إلى حكم في قيمة العلاج . وبهذا يقول عن حالة تنذر بالسرسام ( فمتى رأيت هذه العلامات فتقدم في الفصد ، فإني قد خلصت جماعة به وتركت متعمدا جماعة ، استوى بذلك رأيا فسرسوا كلهم ) « 12 » وقد كان الرازي يقوم بنفسه بإجراء التجارب على الحيوان ، وخاصة على القردة باعتبارها شبيهة بالإنسان ، وإن اختلفت الطبيعتان في بعض الأحيان ، ولم يقف الرازي عند هذا الحد ، بل استخدم ذاته مادة للتجربة .
--> ( 10 ) توجد نسخة واحدة من هذا الكتاب في مكتبة بودليان في جامعة أكسفورد وهي بعدة أجزاء . قام المستشرق الدكتور ماكس مايرهوف بطبع جزء واحد منها . ( 11 ) كتاب خواص الأشياء . نسخة مخطوطة في خزانة مكتبة تيمور في مصر تحت رقم 264 - طب . وقد قررت تحقيقها إن أراد اللّه . ( 12 ) الحاوي ج 1 ص 219 - أبو بكر الرازي .