محمد بن زكريا الرازي
470
المنصوري في الطب
وأما التعرّق وتنشّق الهواء الحار فهي أضرّ الأشياء لهم . فليدخل هؤلاء الحمام والأبزن بعد سقي ماء الشعير بقدر ساعتين ويمرّخوا بالدهن . ومتى خرجوا من الأبزن ، فإذا خفّت البطن من ماء الشعير ولم يبق في الحشا له طعم فليمضي بهم إلى الحمام من غير أن يتعبوا ، وليستعملوا الأبزن وصب الماء الفاتر عليهم بقدر ما تربوا أجسامهم قليلا وتحمر أدنى حمرة ثم لينغمسوا في ماء بارد غير مؤذ غمسة واحدة . وتمرّخ أجسادهم بدهن البنفسج ونحوه من الأدهان . ويتدّثروا في الحمام ثم يخرجون منه ثم يطعمون مما ذكرنا وبالقدر الذي حددناه ، وينامون في بيوت مريّحة طيبة قليلة الضوء فيها خيوش وأجاجين « 13 » ماء وحياض وبرك . وقد فرشت بورق الكرم والخلاف والورد والشاهسفرم والبنفسج ونحوها مما حضر . وإن كان الزمان شتاء فينبغي أن لا يكون في مساكنهم نار ولا دخان ، وأن تنشق الهواء البارد من أعظم أدويتهم ، ويستغنون به عن تبريد القلب بالأدوية والأضمدة التي ذكرنا ، وليتدثروا بدثار حار خفيف الحمل وبخاصة رؤوسهم لئلا يحدث عليهم زكام ونزل . ولتغمز أطرافهم غمزا رقيقا وينشقون دهن القرع المربى باللينوفر . ويطيلون النوم . وإن كان النهار طويلا فليدخلوا في الأبزن مرة ثالثة قبل وقت العشاء . فإن انتفعوا بذلك وإلا فليغمسوا من غير استحمام تقدم قبله ويطيلوا النوم . وإن كان القشف واليبس والقحل قد بلغ إليهم فليحلب على أبدانهم لبن الماعز ويمرّخوا به ويصب منه في الأبزن مع الماء . ويمرخوا إذا خرجوا منه بدهن البنفسج أو القرع أو اللينوفر وإن لم تكن الحرارة والحدّة قوية جدا ، فليكن شرابهم من شراب أبيض رقيق قد مزج بالماء البارد بقدر ما يخفي طعم الشراب . وإن كانت الحرارة بيّنة فليسقوا الجلاب السكري مع الماء البارد ، واحذر على هؤلاء أن تطلق بطونهم . وإن بدت تلين فبادر بإمساكها . وقد ينتفع هؤلاء إذا كانت الحرارة التي فيهم لها فضل قوة ،
--> ( 13 ) الأجاجين : جمع إجّانه . وهو إناء تغسل به الثياب .