محمد بن زكريا الرازي

160

كتاب المرشد أو الفصول مع نصوص طبية مختارة

وآخرون دونهم مرتبة . ولا نزاع أن ذلك كان يرجع إلى نجاح الأولين ، وإخفاق الآخرين . ولا نزاع أن كليهما كان يجهل الأمراض وعلاجها جهلا تاما . ففيم تفوق الأطباء الممارسين ؟ يرجع ذلك أولا إلى شخصية الطبيب ، ثم إلى حاسة خاصة تلهمه ما يجب عليه عمله في الحالات التي تعرض له ، ثم إلى خبرته السابقة . وقد تكون هذه الخبرة غير واعية ، وقد تكون الأسباب التي يبنى عليها الطبيب تشابه حالة سابقة وحالة حاضرة خطأ ، ولا يمنع ذلك أن يكون علاج الأولى مفيدا في علاج الثانية . فضلا عن ما يكون في المريض من قدرة طبيعية على مقاومة المرض يزيدها الطبيب قوة ، وهو يحسب أنه يعالج المرض علاجا مباشرا . وقد يكون الواقع أن العلاج غير النوعي في الأمراض أكثر فائدة وأدعى إلى البرء من العلاج النوعي ، والعلاج غير النوعي يدل على اتساع أفق الطبيب وفهمه للطب فهما قد لا يبلغه من لا يؤمن إلا بالعلاج النوعي الضيق . ولا بد من تحليل أقوال الأطباء القدماء على ضوء هذه الملاحظات ، وإلا فكيف نفسر قول جالينوس : إنه علم أن البحران قريب لأن نبض المريض كان يرتفع أكثر مما يمتد جانبا ؟ هذه القاعدة تبدو بعيدة كل البعد عن الحق ، وليس جالينوس فيها كاذبا ، وتفسير ذلك عندي أن جالينوس رأى المريض ، وكوّن لنفسه رأيا أن البحران قريب ، ثم جس نبضه وخيل إليه أن نبضه على الصفة التي ذكرها . فخطأ جالينوس هنا أنه ظن أن رأيه تابع لجسه النبض وهو في الحقيقة سابق لهذا الفحص . وهو خطأ غير واع ، وهو خطأ مشهور جدا عند أكبر الأطباء . وهو خطأ يفيد منه المريض ، وإن أضر بالطب من حيث هو علم . والرازي يقول إنه يقصد حالات السرسام وأنه نجى بذلك جماعة ،