محمد بن زكريا الرازي

161

كتاب المرشد أو الفصول مع نصوص طبية مختارة

وترك آخرين فسرسموا كلهم « 1 » . والذي يعنيني دلالة ذلك على فهمه لأساس من أسس التجربة العلمية . وإن كان سر هذه التجربة بالذات ليس مفهوما عندنا نحن الأطباء المحدثين . وتفسير ذلك عندي على نحو ما تقدم في حالة جالينوس . فالرازى رأى قوما مصابين بالسرسام يرجى شفاؤهم ، ففصدهم ، فنجوا ( ولو لم يفصدهم لنجوا ) . ورأى آخرين قدر أنهم لا يبرءون ، ولم يفصدهم ، فسرسموا ( ولو فصدهم لسرسموا ) . ويحضرني قول « أوزلر » وهو من أكبر الأطباء المحدثين : « إن الأمل والجوز المقيئ يشفيان كل مرض قابل للشفاء » . ومن العسير أن نقيس تفوق الطبيب بمقياس يقوم على النجاح وحده ، فللنجاح عوامل كثيرة لا تتعلق كلها بتفوق الطبيب . ولعل الرازي كان يدرك شيئا من ذلك حيث يقول : « وإنا لنمدح الطبيب القليل الخطأ ، لأن الصواب في هذا العلم عسر إصابته » « 2 » . والذي أقرره هنا أن تقدير أثر علاج ما في الشفاء لا يزال أمرا غامضا ، ويزيده غموضا ما دلت عليه تجارب قام بها بعض الباحثين المحدثين . ذلك أنهم أعطوا بعض مرضاهم أدوية قوية فعالة نوعية . وأعطوا البعض الآخر أدوية لا عمل لها Placebo فكانت نسبة النجاح في الحالتين متقاربة ، ونسبة المضاعفات الناشئة عن الدوائين الفعّال وغير الفعّال متقاربة أيضا . وعلى ذلك ينبغي أن يكون بحثنا في العلاجات القديمة بحثا مقصورا على مبادئ فن العلاج وأسلوبه . ومن مبادئ الرازي في العلاج قوله : « ما قدرت أن تعالج بدواء مفرد فلا تعالج بدواء مركب » « 3 » .

--> ( 1 ) ص 144 فيما سبق . ( 2 ) المشرق 54 ، ص 506 . ( 3 ) ص 93 فيما سبق .