محمد بن زكريا الرازي
144
كتاب المرشد أو الفصول مع نصوص طبية مختارة
وأود أن أشير هنا إلى أن الأطباء العرب نوعان : الفلاسفة الأطباء وأكبرهم ابن سينا والأطباء الفلاسفة وأكبرهم الرازي . وليس الفرق بينهما عارضا ، ولا بسيطا . بل هما يمثلان مذهبين مختلفين تمام الاختلاف . الفلاسفة الأطباء درسوا الطب على أنه جزء من المعرفة لا غنى عنه ، وسعيهم إلى استكمال المعرفة هو الذي دفعهم إلى درس الطب . أما الأطباء الفلاسفة فهمهم الأول المرض والمرضى والتشخيص والعلاج . والفلسفة عندهم وسيلة لبلوغ هذه الغاية . وأسلوب الفريقين في التفكير مختلف جدا . الفلاسفة يعنون أولا بالتنظيم والتقسيم المنطقي ، وإن لم يكن له سند من الواقع . أما الأطباء فيعنون أولا بالمشاهدات والدلالات والفروق بين الأمراض . ومع تفوق الرازي في الفن النظري فلا أظن أنه بلغ فيه مبلغا لم يبلغه من سبقوه في درس المؤلفات الطبيّة القديمة . أما الفن العملي فهو الميدان الذي بلغ فيه الرازي غاية تفوقه في صناعة الطب . وتفوقه يقوم على التجربة والمشاهدة . أما التجربة عند الرازي فلم تكن محددة القواعد معروفة الأصول على النحو الذي نعرفه اليوم . وليس لنا أن نقول إنه وضع أسس الاستقراء حين نجد في عمله استقراء . ولا أن نقول إنه واضع أسس التجارب الطبيّة لمجرد ورود بعض التجارب في مؤلفاته . هذا إسراف لا محل له . ولا يمنع ذلك من الإعجاب بما هداه إليه تفكيره السليم في أمر التجربة ، وله في ذلك خبرة جيدة . فهو يقول في حديثه عن حالة تنذر بالسرسام : « فمتى رأيت هذه العلامات ، فتقدم في الفصد . فإني قد خلصت جماعة به ، وتركت متعمدا جماعة ، أستدنى بذلك رأيا ، فسرسموا كلهم » « 1 » ، ويقول :
--> ( 1 ) المشرق 56 ، ص 239 .