محمد بن زكريا الرازي
145
كتاب المرشد أو الفصول مع نصوص طبية مختارة
« سافر رجل نبيل في الصيف أياما ، ورجع وبه حمى مطبقة قوية الحرارة جدا ، فألزمنيه بعض الملوك . . . فلما لم يكن ذلك ، ورأيت الحرارة والكرب والقلق يتزايد ، سقيته مقدار عشرة أرطال من الماء الصادق البرد جدا ، فخصر مكانه ، وانطفأ ما به ، ودر بوله . . . وكان له غلام معه في سفره ، أصابه ما أصابه سواء ، فلم يسق في ذلك الوقت الماء البارد شغلا منا بالصاحب نفسه ، فمات في عصر ذلك اليوم . وكانت هذه الحادثة صحوة » « 1 » . هذه من غير شك حالة ضربة شمس . والحالتان تدلان على فهمه الحق لما يجب أن تكون عليه التجارب من ضرورة وجود ( Controls ) . وكان من رأيه عند اختبار فعل عقار أن يختبره في معتدل المزاج فيقول : « إنما يحتاج أن يعرف فعل الدواء في البدن المعتدل لأن الأبدان الخارجة عن الاعتدال بلا نهاية ، فليس يمكن من أجل ذلك أن يعرف فعل الدواء في كل واحد منها . فلذلك وجب أن يعرف فعله في البدن المعتدل ، ثم يحدس منه على غير المعتدل حدسا مقربا » « 2 » . ولعل في هذا إدراكا غير واع لضرورة علم الفارماكولوجيا ، مستقلا عن قيمة الدواء من حيث العلاج . وله فصل طويل في خواص الزئبق يقول فيه : « أما الزئبق العبيط فلا أحسب أن له كثير مضرة إذا شرب ، أكثر من وجع شديد في البطن والأمعاء ، ويخرج بهيئته ، لا سيما إن تحرك الإنسان . وقد سقيت أنا منه قردا كان عندي فلم أره عرض له إلا ما ذكرت . وخمنت ذلك من تلويه وقبضه بفمه ويديه على بطنه » . . . « وأما إذا صب في الأذن منه ، فإن له
--> ( 1 ) ص 106 - 107 فيما سبق . ( 2 ) ص 33 فيما سبق .