محمد بن زكريا الرازي
131
كتاب المرشد أو الفصول مع نصوص طبية مختارة
فلا يكون من أغراضه الإشادة بالمدنية العربية ، أو تمجيد العلماء العرب ، والأجدر بنا وبهم أن نترك الحقائق تتحدث بنفسها عن القيمة الحقة للعلوم العربية . هذا من حيث الغرض من البحث في تاريخ العلوم العربية ، أما من حيث الأسلوب فقد آن أن نرجع إلى المصادر الأولى لهذا العلم ، وأن لا نأخذ بما قال الناس عنه قديما أو حديثا ، ولدينا الكثير من مؤلفات العلماء العرب ومنها نستطيع أن نحدد أسلوبهم في التفكير ، وحظهم من العلم . ولم يعد يكفينا ما قال ابن أبي أصيبعة من أن فلانا كان أوحد دهره وفريد عصره ، ولا ما جاء فيه مما لا يتفق وطبائع الأشياء . ولا يزيد من علمنا بالتطور التاريخي للعلوم شيئا أن يقال عن البيروني إنه كان أعلم علماء زمانه وأنه أحاط بكل علم وبرز في كل فن . ولا يعنينا كثيرا أن يقول ذلك عدو أو صديق . فالرجوع إلى المصادر الأولى للعلوم العربية أصبح مستطاعا ، ولدينا منها ما يكفى للدراسة الموضوعية الدقيقة . وأود أن أشير هنا إلى كتاب ابن أبي أصيبعة ، فإني لا أعده من المصادر الجديرة بالثقة . وما فيه لا يعدل بحال من الأحوال ما تدل عليه مؤلفات الأطباء أنفسهم ، وابن أبي أصيبعة له أضراب في كثير من فروع المعرفة ، فهو مؤرخ قصاص يدوّن ما يسمعه دون كثير من التمحيص . ويعنيه أن تكون قصصه عن الأطباء مثيرة للدهشة والعجب ، مدعاة للتسلية والمتعة . ويذكرني هذا بمؤرخ قصاص اسمه « قازارى » ، كتب حياة الفنانين الإيطاليين في عصر النهضة . وذكر أشياء كثيرة تفيد المؤرخ وفيها متعة كثيرة . ولكنه مثل ابن أبي أصيبعة ، لم يحقق كثيرا . ولا يجوز الأخذ بقول أمثال هؤلاء ، إلا أن نرد قولهم إلى طبائع الأشياء والناس والحياة في العصر الذي يتحدثون عنه . وكثير من المؤرخين القدماء وقعوا في هذا الخطأ ، فكان تاريخهم أدبا وقصصا ومتعة ولم يكن دائما تاريخا .