محمد بن زكريا الرازي
58
منافع الأغذية ودفع مضارها
اختلاف الحنطة في الخبز وفيما ذكرنا من أمر الخبز المعمول من الحنطة كفاية . على أن الحنطة تختلف فيختلف الخبز بحسب اختلافها . فيكون المتخذ من الحنطة الحمراء الرزينة العذبة واللزجة لزجا علكا ، ويكون أكثر غذاء ، وأبطأ انحدارا ، وأحوج إلى تكثير الملح والخمير والبورق « 1 » . والأولى أن يتعهد آكلوه أنفسهم بالرياضة والحركة ، وبما يفتح السدد ويمنع من تولد الحصى . في الخبز من البيضاء والمتخذ من الخبز من الحنطة البيضاء الهشة الخفيفة المسفنة « 2 » أقل حاجة إلى ذلك . وجملة منفعة الحنطة أنها تغذو البدن وتولّد دما يتولد منه اللحم وجوهر جميع الأعضاء ، فيكون خلفا مما تحلل . جملة منفعة الحنطة ومضارها وجملة مضار الحنطة ما قد ذكرنا ، ويدع بما قد وصفنا . والحنطة أوفق حبة عمل منها الخبز ، وأشدها ملاءمة لبدن الإنسان المعتدل . وإذا كانت نيئة فربما تولد منها حب القرع ، ويدفع ذلك بأن يتحسى بعقبه المري « 3 » النبطي والخل « 4 » الثقيف . وإدمان أكل المقلو منها يعقل البطن ، فلذلك ينبغي أن يتلاحق بما يسهله إسهالا معتدلا ، كالفانيد السجزي « 5 » ، والتين العلك ، وما أشبه ذلك . وأما الحنطة « 6 » المطبوخة والفريك « 7 » فينفخان جدا ، ولذلك ينبغي أن يؤخذ
--> ( 1 ) البورق : سبق شرحه . ( 2 ) المسفنة : التي سقط أو ذهب قشرها ( المقشّرة ) ( المعروقة ) والسفينة معروفة . والسفّان : صاحبها والسفين : جمع سفينة : فصيلة بمعنى فاعلة ؛ كأنها تسفن الماء أي تقشره وتمخر عبابه . ( 3 ) المري النبطي : نوع من الشراب الحامض الطعم . ( 4 ) الخل الشقيف : الخل الشديد الحموضة مضافا إليه مادة حريفة . ( 5 ) الفانيد السجزي : سبق شرحه . ( 6 ) الحنطة المطبوخة : البرّ المطبوخ بالسمن تسميه العامّة ( البرغل ) . ( 7 ) الفريك : هي الفريكة المعروفة الحنطة المقطوفة قبل النضج أي قبل اصفرارها ثم تشوى على النار وتطبخ بعد ذلك بالسمن وأطيبها طعما مع لحم الدجاج أو الطير .