محمد بن زكريا الرازي
308
منافع الأغذية ودفع مضارها
والأبدان البلغمية التي لا يبادر إليها التهاب من الأدوية الحارة أحمل له . وينبغي أن ينظر أيضا أن لا يكون بذلك البدن مرض لا يجوز معه أخذ هذا الدواء ، كالدق ، أو ورم في الأحشاء ، ونحو ذلك ، فهذه أحد الأبواب القوية المشهورة في هذا المعنى . وما يفعل ذلك بحكاكه وبجملة جوهره الباذزهر « 1 » الممتحن الفائق ، فإنه إذا شرب حكاكه في كل يوم امتنع شاربه من تأثير السموم القاتلة . وليس يحتاج إلى تدريج في أحد من هذا الحجر ، لأنه لا يؤثر في البدن من حر أو برد تأثيرا ظاهرا ، وإنما له أن يفعل ما يفعل بخاصية خالصة عجيبة . والتدرج أيضا إلى أخذ دواء المسك الفائق حتى يعتاده ويدمن أيام السنة كلها يفعل شبيها بفعل المثروديطوس ، ويبطل فعل البيش « 2 » خاصة . والدواء المعروف بدواء الطين المختوم قد عرف بالتجربة أنه إذا أخذ منه بالغداة ثم اتفق أن يكون في طعام الآخذ له سم ، تقيأه كله ، ولم يبق في جوفه من ذلك الطعام شيء . وإن لم يكن سم ، لم يحدث غثيا ، ولا عرض عنه عارض آخر بتة . وإذا أخذ أيضا من التين العلك المعسل جز آن ، ومن الجوز جزء ، ودقا معا ، وطرح مثل العشر من ورق السذاب ، وتعود أخذه كل يوم ، قل تأثير الأدوية القاتلة في آخذه . وإن وقعت التهمة في حال ، ولم يكن قد تقدم في شيء من هذه فليستكثر في الطعام من الثوم ، ويزاد في مقدار الشرب وفي مزاجه . فإن البدن إذا كثر فيه البخار الرطب امتنع أن يتأثر من الأدوية القاتلة لسرعة الدم . وإذا لم يتفق سقي دواء قتال واتفق للتهمة الاستكثار من الثوم والشراب وعن ذلك ضيق النفس أو عارض آخر ، تلوحق بالفصد « 3 » وسائر ما يحتاج إليه من العلاج وينفع في ذلك . ويمنع عمل السموم بالإكثار من الحلو ، والدسم ، والشراب الكثير المزاج الكثير المقدار . وإذا ظن إنسان أنه قد أخذ طعاما مسموما فليبادر بالقيء بالجلاب « 4 » والسكنجبين
--> ( 1 ) الباذزهر : هو ما يمنع ميكانيكيا امتصاص السم من المعدة أو الأمعاء . ( 2 ) البيش : نباتات عشبية معمرة سامة من فصيلة الحوزانيات ، تعيش خاصة في المناطق الجبلية . فيها سمّ قاتل يستعمل كدواء ضد التشنج . وفي القاموس : بيش اللّه وجهه : أي حسنه . وأباش الشجرة : أي جعلها تنثبت وتتأصل : والبيش في هذا المعنى مفرد أبياش : وهو الحفرة التي يوضع فيها الفرس وهي كلمة ( عامية ) . ( 3 ) الفصد : سبق شرحه . ( 4 ) الجلاب والسكنجبين : سبق شرحهما .