محمد بن زكريا الرازي
307
منافع الأغذية ودفع مضارها
ألبان البقر الذي يعتلف المرار إسهال مفرط جدا . في دفع مضارّ السموم بتدبير إذا أحسّ بها البدن امتنع من تأثيرها وعملها فيه من خاف أن تدسّ السموم في أغذيته ، فإنه ينبغي بعد احتراسه من ذلك بتوكيل الثقات « 1 » بطعامه وشرابه ، أن يعود نفسه أخذ الأدوية التي بها تمنع أفاعيل السموم . والذي يفعل ذلك بقوة قوية المثروديطوس « 2 » والترياق ، إلّا أن الترياق ينفع في ذلك مع لدغ الأفاعي ، والمثروديطوس كان لدفع ضرر السموم التي تقع في الأغذية . واعتياد المثروديطوس أهون من اعتياد الترياق ، وذلك أن مدمن الترياق لا بد أن يدقّ ويذوب بدنه ويقضف . فإذا دعت الضرورة والحاجة إلى ذلك ، وكان رجل بين قوم لا يأمن منهم ، فليبدأ في شرب المثروديطوس من أوّل يوم من كانون الأوّل ، فيشرب منه جميع أيامه وزن دانق المثقال ، ولتكن النسخة القديمة التي لا سقنقور « 3 » فيها ، وأيام كانون الثاني وزن دانقين ، ثم يزيد في كل شهر دانقا إلى حزيران . فإن لم يحدث حادث يكره ، قطعه حزيران وتموز وآب وأيلول ، ثم ابتدأ أيضا في شربه من تشرين الأوّل . فإن الطبيعة تألفه حتى يتهيأ أن يأخذه في أيام السنة أجمع ، ولو كان محرورا . فأمّا المبرود جدا فإنه قد يتهيأ له أن يأخذه أيام السنة كلها . وإذا خالط اللحم والدم كيفية هذا الدواء امتنع أن تعمل فيه السموم القاتلة . وقد سقي هذا الرجل المسمى هذا الدواء باسمه وكان ملكا مرات كثيرة من السم ، فلم يؤثر فيه أثرا بتة ، وكان مدمنا لهذا الدواء . وينبغي متى حدث بالمحرور من هذا الدواء حادث أن يغب أياما ويصلح ذلك العارض ، ثم يعاود . والابتداء من نصف دانق « 4 » أو دانق ، والانتهاء إلى مثقالين أو مثقال « 5 » ، على حسب احتمال البدن .
--> ( 1 ) الثقات : الموثوق بصواب فطنتهم في سداد الرأي وصحة الخاطر والصدق في القول والعمل ومنه إذا أردنا أن نحكم على رجل بأنه صالح وجيد نقول عنه ( رجل ثقة ) . ( 2 ) المثروديطوس : نوع من الشراب نافع ضد السموم يشبه الترياق . ( 3 ) سقنقور : سبق شرحه . ( 4 ) الدانق : سبق شرحه : ( 5 ) المثقال : أصغر الموازين حجما ووزنا .