محمد بن زكريا الرازي
299
منافع الأغذية ودفع مضارها
ومن يريد أن يقوي ويخصب بدنه . في أشد ما يكون التملؤ من الطعام وأثقله على المعدة في الأوقات والبلدان وحيث لا يوجد ماء بارد يشرب عليه أشدّ ما يكون ضررا تمدد المعدة من كثرة الغذاء في الصيف والخريف ، وفي البلدان الحارة ، ولا سيّما حيث لا يوجد ماء صادق البرد يشرب عليه . وأسلم ما يكون ذلك في صميم الشتاء والبلدان الباردة . في أن أضرّ ما يكون الاستكثار من الأطعمة بمن عروقه ممتلئة من الدم وبدنه خصب من اللحم أضرّ ما يكون الأكل المفرط الذي تتمدد المعدة لكثرته ، لمن في عروقه دم كثير ، ولمن هو مخصب البدن لا يحتاج إلى زيادة فيه . في أنه لا ينبغي أن يوثق بأن الطعام القليل الكمية ينهضم هضما جيدا بل قد تقع أسباب مانعة من ذلك وذكر هذه الأسباب ليس ينبغي أن يظن أن الغذاء القليل الكمية تستولي عليه كلية الهضم في كل حال . بل يمكن أن يقع خلاف ذلك لضعف القوة الهاضمة ، أو لقلة الحاجة إلى الغذاء ، أو لرداءة كيفيته ، أو لصلابة جرمه ، أو لفرط حرارة المعدة ، أو لنقصان مقدار الغذاء عن المقدار الذي لا يتشيط « 1 » في المعدة . فإنه في هذه الأحوال كلها يفسد الهضم ، ولو كان الطعام قليل الكمية . في العطش الحادث بالليل ومن يجوز له أن يشرب في تلك الحالة ومن لا يجوز له وضرر الطعام الحار بالفعل والبارد بالفعل ووقت استعمالهما من عطش في الليل بعد نومه ، فلينظر . فإن كان عطشه شديدا مقلقا لا يمكنه من
--> ( 1 ) التشيّط : شاط الشيء شيطا وشياطة وشيطوطة : احترق . وخصّ بعضهم به الزيت والربّ كقولهم : « كشائط الرب عليه الأشكل » . وأشاطه وشيّطه ، وشاطت القدر شيطا : احترقت . وقيل : احترقت ولصق بها الشيء . وأشاطها هو وأشطتها إشاطة ، ومنه قولهم : « شاط دم فلان » : أي ذهب . وقال الكلابي : شوط القدر وشيطها : إذا أغلاها ، وأشاط اللحم : فرّقه . وشاط السمن والزيت : ختر . وشاط السمن : إذا نضج حتى يحترق وكذلك الزيت . قال الأصمعي : استشاط الرجل من الأمر : إذا خف له . وغضب فلان واستشاط : أي احتدم كأنه التهب في غضبه . وهو من قولهم : ناقة مشياط : أي التي يسرع فيها السمن ، واستشاط والبعير : أي سمن واستشاط فلان : أي احتدّ وخف وتحرّق .