محمد بن زكريا الرازي
300
منافع الأغذية ودفع مضارها
النوم البتة ، فليشرب ماء قليلا ، ويطلب النوم . فإن نام فذاك . وإن قلق أيضا لشدة العطش ، فليشرب أيضا ما دام العطش لا يمكنه من النوم . فإمّا إن كان عطشه يسيرا ، فلينظر . هل قلل من الماء ، أو من الماء والشراب يومه ذاك . فإن كان ذلك ، فليشرب الماء . وإن كان لم يقلل منهما ، بل شرب شرابا صرفا كثيرا أو درّ بوله أو عرق عرقا كثيرا أو أكل أغذية معطشة ، فليمتنع من شرب الماء وليطلب النوم . فإنه سينام ، ويسكن عطشه من بعد . وأكثر ما يهيج هذا العارض فيمن قد كان شرب الماء على الريق « 1 » . فإنه رديء ، ولا سيّما الصادق البرد ، فإنه رديء جدا ، إلّا لمن يدمن شرب النبيذ القوي ، أو لمن كان حار الكبد جدا . فإن هؤلاء ينتفعون به ، ولا سيّما في زمان القيظ « 2 » . وشرّ ما يكون الطعام الحار في الصيف . والبارد جدا يبلد « 3 » الهضم ويضعف المعدة ، وشرّ ما يكون في الشتاء . ولذلك ينبغي أن تستعمل البوارد في الصيف أكثر ، والطبيخ في الشتاء . فيمن يحتاج إلى المشي بعد الطعام ضرورة وفيمن لا يحتاج إلى ذلك والشكل الأوفق أن يكون بعد الطعام عليه النائم المشي الرقيق اللين بعد الطعام غير ضار ، بل هو نافع لمن كان يمتلئ رأسه إذا نام بعد الأكل سريعا ، ومن يبطئ خف معدته . فلذلك ، ينبغي أن يتعهد هؤلاء المشي الرفيق اللين . فأمّا من تخف معدته سريعا ولا يثقل رأسه ، فبادر إلى النوم بعد الأكل ، فيكفيه أن
--> ( 1 ) على الريق : سبق شرحه . ( 2 ) القيظ : شدّة الحر : وفيه قولهم : يوم قائظ : أي يوم شديد الحرارة وغالبا ما يكون ذلك في شهري تموز وآب من فصل الصيف ، ففيهما يشتد القيظ . ( 3 ) يبلّد : في القاموس : بلد جلده : صارت فيه أبلاد : وقال أبو عبيد : البلد : الأثر بالجسد وجمعه أبلاد . والبلدة والبلادة : ضد النفاذ والذكاء والمضاد في الأمور . ورجل بليد إذا لم يكن ذكيا . وقد بلد بالضم فهو بليد وتبلّد : تكلف البلادة - والمبلود : هو الذي ذهب حياؤه أو عقله . وهو البليد . والتبلّد : نقيض التجلّد ، ومنه بلد بلادة فهو بليد : بمعنى الاستكانة والخضوع . وقال الشيباني عن المتبلد والمبلود : المتحيّر لا فعل له وهو المعتوه والبليد من الإبل : الذي لا ينشطه تحريك . وفرس بليد : إذا تأخر عن الخيل السوابق ، وبلد السحاب : لم يمط . وبلد الانسان : لم يجد وبلدت المعدة : إذا تكاسلت وتباطأت في الهضم .