محمد بن زكريا الرازي

298

منافع الأغذية ودفع مضارها

رطب وهو أبيض أزهر ، فيقل صبرهم على الجوع والعطش ، ويضعفون ، وتتحلل أبدانهم عليه سريعا ، ولا سيّما إن اتفق مع ذلك بلد حار وحركة قوية . ولذلك ينبغي أن يجعل كل إنسان مصابرته للجوع بحسب حاله ، فيصابرهما من ينتفع بذلك ، وبالضد . في أن الغذاء وإن كان جيد الخلط متى كثرت كميته أو قلت تولد منه خلط رديء الأغذية الكثيرة الغذاء الجيدة هي التي تولد دما جيدا حميدا كثيرا . وإن أفرط في كميتها ، تولد عنها البلغم . وإن أفرط في نقصانها عن الواجب ، تولد عنها المرار . ولذلك ، ينبغي أن لا يتكل الإنسان في أمر الأغذية الجيدة على جودتها ، ويستهين بكميتها ، فيفرط أو يقصر فيها اتكالا على أنها لا تولد إلّا الدم الجيد . فإنها لا تولد الدم الجيد إلّا إذا كانت بمقدار لا يثقل على الطبيعة بكميتها ، ولا يتشيط أيضا عن الحرارة الغريزية بقلة مقدارها . في التحذير من التغافل عن ترك المعدة ممتلئة غاية الامتلاء والتكاسل عن القيء في مثل تلك الحال متى اتفق في يوم ما بإنسان أن يأكل ويشرب أكلا وشربا كثيرا ، حتى يثقل معدته جدا ويضيق نفسه ويعسر اضطجاعه ، فينبغي أن يبادر إلى القيء قبل أن ينزل ذلك الثقل عن معدته ولا يدافع به . وإن كان قد أصابه أمثال ذلك مرات ، فلم يعرض له بعقبه عارض سوء ، فإنه لا بدّ أن يعرض عن هذه الحال ، إن استوفى عليه الهضم ، الامتلاء المفرط الذي يخاف معه تشقق العروق وانفجارها . في ذكر تدبير نافع لامتلاء العروق إذا اتفق أن يكثر من الطعام أياما أو يغتذي بأغذية كثيرة الإغذاء ، فينبغي أن يتلاحق ذلك بتقليل الغذاء ، وأن يجعله من القليلة الإغذاء والملطفة أياما ، وإن لم تظهر دلائل الامتلاء الذي بحسب التجاويف . ويؤمن بذلك الأمراض الامتلائية . ومن أجل ذلك ، يكون هذا التدبير جزما « 1 » في حفظ الصحة ، وواجبا أن يستعمل في أبدان الناقهين

--> ( 1 ) الجزم : جزم الشيء : قطعه . ومنه جزم الحرف ، وهو في الأعراب كالسكون في البناء وبابه ضرب ، وهنا الجزم بمعنى ( القطع ، البتة ) كقولك : هذا الأمر لا أفعله البتة . أي أجزم بأن لا أفعله قطعا .