محمد بن زكريا الرازي

293

منافع الأغذية ودفع مضارها

وأما الآخرون فلا تطعمهم حين يهيج الغثي فيهم ، بل قيئهم بالماء الفاتر والسكنجبين . وأعد ذلك عليهم حتى يسكن ويذهب البتة . ثم أغذهم ، فإنك متى لم تفعل ذلك خالط المرار طعامهم ، وفسد هضمهم ، وفسدت أبدانهم بدوام ذلك فيهم . ولا حيلة في دفع هذا العارض عن هؤلاء ، لأنه شيء في الخلقة . ولولا كراهتنا لطول الكلام والتمسك بغرض هذا الكتاب ، لذكرنا شبيهه . في أن المتفرغ لنفسه يمكنه استعمال الأغذية المخصبة لبدنه على طريق الصواب من كان متفرغا لنفسه يمكنه أن يرتاض ويستحم ويأكل وينام متى شاء . وأمكنه أن يديم الأغذية الكثيرة الإغذاء واللزجة ، ولا سيّما إن لم يحدث عليه من إدمانها ثقل في كبده أو كلاه ، فيخصب بدنه عليه ، وتقوى قوته ، ويبطئ النزول فيه . ولم يحتج أن يستقصي أمر الأغذية كثير استقصاء ولا أن يواتر الفصد « 1 » والإسهال . فأما من لم يمكنه ذلك لشغل بمعاش ، أو لم تتهيأ له الرياضة لضعف البدن أو سنة ، فينبغي أن لا يقرب هذه الأغذية إلّا في الندرة . لكن يقتصر على المتوسطة في كثرة الغذاء وقلته ، ويستقصي في اختيار الأغذية . وليس يجتزي بذلك ، بل قد يحتاج في دوام حفظ الصحة إلى تعهد الاستفراغات . وعلى أن الأجود أن لا يطعم إلّا بعد حركة ما ، بمقدار ما يطيق ، إن كان ضعيفا . فإن الحركة قبل الطعام من أعون شيء على حفظ الصحة . كما أن الحركة بعد الطعام من أجلب شيء للأمراض . فلذلك ينبغي أن يتحرك قبل الطعام ، ولو الشيخ الضعيف ، بركوب أو مشي ، بمقدار طاقته ، لأن في ذلك تجويد « 2 » الهضم . وليس يمكن أن يمرض الإنسان المعني بجودة الهضم . وأما من لم تمكنه الرياضة والاستحمام والنوم متى شاء ، لشغل بمعاش ، فالأجود أن يجتنب الأغذية الكثيرة الإغذاء ، ويستعمل المفتحة للسدد في الكبد والكلى ، ولا سيّما متى أصاب فيهما ثفلا . فإنه ينبغي أن يبادر إليها في ذلك الوقت ، ويدام حتى يفقد ذلك

--> ( 1 ) الفصد : سبق شرحه . ( 2 ) تجويد الهضم : من ( الجودة ) : تحسين هضمه وتحويله إلى غذاء جيد .