محمد بن زكريا الرازي
292
منافع الأغذية ودفع مضارها
الهضم التام والبول ، وبالضد . فأما أصحاب الأبدان العبلة ، والتي لا يكاد ينكؤها « 1 » طول الصبر على الجوع والعطش ، فأحوجها إلى الحركة والحمّام قبل الطعام وانتظار النضج التام . ومتى كان أصحاب الصنف الأول في الغاية مما ذكرنا ، احتاجوا إلى أن يتركوا الحركة والحمّام قبل الطعام ، إما طول أعمارهم ، وإما مدة طويلة حتى تخصب أبدانهم وترطب ، وإما أن يستعملوه بين أيام مرّة واحدة بحسب حالهم في ذلك . في الذين يستمرؤن « 2 » الأغذية الغليظة كلحوم البقر وتفسد في معدهم الأغذية اللطيفة كلحوم الطير والتلطف لإصلاح أحوالهم في الناس قوم متى أكلوا قبل أن يتقيؤا مرارا فسد هضمهم ، وصار هؤلاء صنفين : فمنهم نحيف البدن ، حار المزاج ، يستمرىء الأغذية الغليظة والباردة ، كالسكباجة البقرية ونحوها ، استمراأ جيدا محكما ، وتفسد في معدته لحوم الدجاج والدراج والجداء ونحوها ، ويتجشأ عليها جشاء دخانيا زهكا منتنا . ومنهم عبل البدن رطبه . فعلاج الصنف الأول بمثل هذه الأغذية الغليظة والحامضة ، وما أشبهها من الأشربة والفواكه ، كالسماقية والحصرمية وشراب التفاح والرمّان والسفرجل . وبادر بها إليهم قبل وقت الغثي ومع هيجانه ، وأدم ذلك فيهم حتى يسكن هذا العارض ، واسقهم الماء الصادق البرد .
--> ( 1 ) ينكؤها : فكأ القرحة ، ينكؤها نكأ : قشرها قبل أن تبرأ فندبت . ونكأت العدو أنكؤهم : لغة في نكبتهم . جاء في التهذيب : نكأت في العدو نكاية ، وقال ابن السكيت : في باب الحروف التي تهمز فيكون لها معنى ، هزمته ، وغلبته ، فنكي ينكي نكى . وقال ابن شميل : نكأته حقه نكأ وزكأته زكئا : أي قضيته ، وازدكأت منه حقي وانتكأته : أي أخذته . ولا تجدنّه زكأة نكأة : أي يقضي ما عليه . وقولهم : هنئت ولا تنكأ : أي هناك اللّه بما نلت ولا أصابعك بوجع . ويقال : ولا تنكه مثل أراق وهراق . وفي التهذيب : أي أصبت خيرا ولا أصابك الضرّ ( يدعو له ) . وقولهم : لا تنك : أي لا نكبت بمعنى ( لأجعلك اللّه منكيا منهزما مغلوبا ) والنكأة : لغة في النكعة : وهو نبت يشبه الطرثوث ، وهذا المعنى الأخير ليس المقصود في هذا الباب . ( 2 ) يستمرئون : نقول مرؤ الطعام واستمرأه : أي صار مريا وحسن هضمه . وظرف ولذ طعمه ، وسهل مجراه في البلعوم والمري .