محمد بن زكريا الرازي
272
منافع الأغذية ودفع مضارها
يلائمه وما يوافقه ، وما لا يلائمه ولا يوافقه ، بل يجده يضرّ به دائبا ، فيجتنبه ويحذره وإن كان مشهورا بجودة الخلط ، ويسأل الطبيب من يخدمه ويعالجه عما يعرفه من ذلك لئلا يشير عليه به . والطعام الحار بالفعل ، وإن كان جيد الخلط ، يرخي المعدة ويوهنها ، فيفسد الهضم ، ويثقل الرأس ويملأه بخارا . وأما البارد جدا فإنه يطفئ حرارة المعدة ، فيفسد لذلك الهضم أيضا ، وينحدر وهو فج سريعا غير منهضم ولا مستحيل ، فيقل لذلك اغتذاء البدن منه . والطعام الغير المعتاد أيضا ، وإن كان أحمد وأجود خلطا من المعتاد ، كان المعتاد أوفق للمغتذي به ، إلّا أن يتدرج إلى اعتياد ذلك الأجود قليلا قليلا ، إلّا أن يكون المعتاد رديئا جدا . الطعام المشتهى المستلذّ وكذلك أيضا الطعام المشتهى المستلذ تحتوي المعدة عليه احتواء أحكم ، فينهضم لذلك هضما أجود . وبالضد ، فإن المعدة لا يستحكم احتواؤها على ما يستبشعه وعلى ما لا يستلذه ، فيكون الهضم لذلك أردأ . ولذلك ينبغي أن يختار الطعام المشتهى على المستبشع ، أو على الذي يشتهي شهوة أقل دائبا ، إن كانا متساويين في جودة الخلط ، أو كان المشتهي المستلذ أردأ خلطا من الغير المشتهي قليلا . فأما إن كان البون بينهما في ذلك بائنا جدا ، فينبغي حينئذ أن يختار الجيد الخلط ، ويؤخذ معه من المشتهى وإن كان شديد لرداءة ، شيء يسير لتتوق الطبيعة إليه ، وتحتوي المعدة على جملة الطعام المختلط منهما ، ثم يتدرج قليلا قليلا إلى اعتياد الأجود ، وإلى تقليل مقدار الأردأ حتى ينتقل إلى الشيء الأفضل . الطعام بحسب السن والمهنة والبلاد والوقت وقد تختلف موافقة الطعام أيضا بحسب الأسنان . فإن الطعام الأرطب الأرقّ أوفق لسن الصبيان ، والمتين القوي الغذاء للشباب ، والفواكه والحار الرطب باعتدال السريع الإغذاء لسن المشايخ . وبحسب المهن ، فيكون الغليظ اللزج الكثير الغذاء أوفق لأصحاب التعب