محمد بن زكريا الرازي
273
منافع الأغذية ودفع مضارها
والمتخلخلي الأبدان ، واللطيف اليسير الغذاء أوفق لمدمني البطالة ، ومن لا يتحلل من بدنه شيء . ومن أجل البلدان أيضا ، فإن أصحاب البلدان الباردة يحتملون الأغذية الحارة جدا وينتفعون بها ، كالثوم والفلفل . وبالضر ، أصحاب البلدان الحارة لا يحتملون ذلك ، ويوافقهم الخلول وسائر الحموضات . وقد يعرض مثل ذلك بحسب الأوقات ، فتكون الأغذية الباردة بالفعل والقوة في الصيف أوفق ، وبالضد . ولذلك ينبغي أن ينظر في هذه المعاني وما أشبهها ، ليكتسب منها استدلالا على ما يحتاج إليه من الغذاء ، ويضم ذلك إلى ما ذكرنا من الأمور الجزئية . فإنه حينئذ يكون قد علم اختيار أوفق الأغذية ، ودفع مضارها على أكثر ما يمكن أن يبلغه علم الإنسان بمشيئة اللّه تعالى وعونه . وذلك هو الغرض المقصود بهذا الكتاب . فأمّا من أومأ إلى هذا الغرض الشريف بكلام نزر يسير ، وتركه ناقصا ، ساقطا عنه أكثر النكت والمعاني المحتاج إليها في هذا الغرض ، كيحيى بن ماسويه ، وهلال الحمصي ، والحرمي ، وكثير من القدماء والمحدثين ممن إنما عثروا بهذا الغرض الشريف عثورا ، فيقولون فيه أدنى القول ويجرونه إلى غيره ، فإني وجدت ما لم يبلغوا من هذا الغرض أكثر مما بلغوا ، وما لم يلحقوا منه أكثر مما لحقوا ، وما لم ينفعوا به الناس أكثر مما نفعوا . واللّه المستعان وعليه المتكل . * * *