محمد بن زكريا الرازي
19
منافع الأغذية ودفع مضارها
المرض ، كما أن حفظ أسرار المرض يجعل الطبيب محل ثقة المريض ، ويساعده في معرفة الداء وأسبابه ، ووصف العلاج الناجع له ، لأن المريض يبوح بكل ما عنده لطبيبه لعلّ ذلك يخفف عنه الألم ويشعره براحة نفسية إذ يحدث طبيبه بمشاكله وآلامه . 3 - غضّ الطرف ، يقول الرازي : ( على الطبيب ان يكون مخلصا للّه ، وأن يغضّ طرفه عن النسوة ذوات الحسن والجمال ، وأن يتجنب لمس شيء من أبدانهن ، وإذا أراد علاجهن ، أن يقصد الموضع الذي فيه معنى علاجه ويترك إجالة عينيه إلى سائر بدنها . 4 - ألّا يكون متكبرا على الناس ، مما يجعل المرضى ينفرون منه ويكرهونه . 5 - ومن ذلك أيضا ألّا يداخله ( العجب بالنفس ) وأن يكون متواضعا لأن العجب بالنفس آفة تقتل صاحبها أي كان نوعه وعلمه . وكان الرازي إلى جانب ذلك كله كريما ، رؤوفا بالفقراء ، يهب لهم العلاج والمال بكل وجه يقدر عليه . ولكثرة انكبابه على القراءة والكتابة تحت أنوار القناديل ، ضعف بصره حتى انتهى إلى العمى وفي رواية أخرى أن ( الساد ) أي نزول الماء في عينيه هو الذي أفقده نعمة البصر ومردّ ذلك إلى أنه كان يجري تجارب كيميائية كثيرة . والأبخرة التي كانت تتصاعد من اشتغالاته الكثيرة بأعمال الكيمياء أودت ببصره . فعاش آخر عمره في فقر وإعواز . ولما جاءه طبيب ليجري له عملية في عينية يعيد إليه بصره ؛ سأله الرازي عدّة أسئلة عن العين وطبقاتها وأنسجتها قبل ان يشرع في العملية ، فاضطرب الطبيب ولم تنم إجاباته عن سعة اطلاع وفهم شامل . عندئذ قال له الرازي : من يضطرب ويجهل هذه الأمور فعليه ألا يمسك بأية آلة يعبث بها في عينيّ ولم تطل أيامه بعد مرضه فقد رحل إلى العالم الآخر وقد استوفى من السنين اثنتين وستين سنة على وجه التقريب ، مخلفا وراءه مائتين واثنين وثلاثين مؤلفا ضخما ورسالة في الطب والطبيعات والرياضيات والكيمياء والفلك والمنطق ، سماها ابن أبي أصيبعة جميعها نذكر منها « * » :
--> ( * ) من كتاب الأعلام لخير الدين الزركلي .