محمد بن زكريا الرازي
84
المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )
لا يحدث للأرض النفاخات التي يحدث مثله عن الخمير إلا أن يعرض له في وقت من الأوقات أن يكون قد احترق كثيرا جدا في حمى محرقة ويكون مع هذا قليل الحموضة جدا أو لا يكون حامض الطعام أصلا . ومن عادة جالينوس أن يسمّي هذا خلطا سوداويا ودما سوداويا لأن ما كان في هذا الحد فليس يستحق أن يسمّى مرة سوداء . وهذا الخلط يتولد في بعض الناس إما بسبب المزاج منذ أول المنشأ وإما بسبب الأغذية التي تتغير وتستحيل إلى مثل هذا الخلط عند انهضامها في العروق . 2 - [ وكما أن خلط البلغم يحدث عنه الصرع ] إذا ملأ الدماغ كذلك الخلط اليابس أيضا قد يحدث في بعض الأوقات الصرع عندما يحتبس ويقف في منافذ بطون الدماغ إما في منفذ البطن الأوسط وإما في منفذ البطن المؤخر . ومتى غلظ هذا الخلط وغلب في جرم الدماغ حدث عنه الوسواس والاختلاط الذي يكون معه جرأة وإقدام ولذلك صار أحد أنواع السرسام الحار أسكن وأهدأ . وهذا النوع الذي يحدث عن المرة الصفراء ونوع آخر منه أشدّ وأقوى وهذا النوع الذي يحدث عن المرة الحمراء ونوع آخر يكون الأخلاط فيه سوداويّة وذلك عندما يحترق المرة الحمراء . 3 - [ فأما الاختلاط ] الذي يكون عند الحميات فحدوثه إنما هو بطريق المشاركة من الدماغ لغيره في العلة لا من طريق أن العلة تخصه في نفسه وليس نسّمي هو لا متسرسمين لأن الاختلاط الحادث من قبل السرسام الحار لا يسكن إلا مع انقضاء منهى الحمى وغايتها . 4 - [ وأصحاب الوسواس السوداوي ] من شأنهم إذا كثر الأمر أن يصيروا إلى الصرع وأصحاب الصرع إلى الوسواس والأولى بكل واحد من هذين أن يكون حيث يميل المرض من كليهما فإن هو مال إلى البدن صاروا إلى الصرع وإن مال إلى العقل صاروا إلى