محمد بن زكريا الرازي
85
المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )
الوسواس السوداوي وهاتان العلتان فليس تنقلب إحداهما إلى الأخرى ولا تغفها دائما على الأمر الأكثر وذلك أنه لما كان الصرع لا يكون من الخلط السوداويّ فقط بل أيضا من الخلط البلغميّ صار الصرع الذي يكون من الخلط السوداويّ يحول في بعض الأوقات إلى الوسواس السوداوي وصار الصرع الذي يكون من الخلط البلغميّ يحول إلى علة أخرى أنا ذاكرها بعد قليل فالمرة التي تضر بالدماغ من طريق أنه عضو من الأعضاء الآلية إنما يميل إلى جرم نفس الدماغ وذلك يكون في السدة والمرة التي تفسد مزاج الدماغ من طريق ما هو عضو متشابه الأجزاء إنما تميل إلى العقل وقد يمكن أن يكون في بعض الأوقات جميع ما في العروق من الدم سوداويا ويكون المضرة تنال الدماغ من طريق الضرر العام وتكون في وقت آخر جميع ما في البدن من الدم غير متغير ويتغير الدم الذي في الدماغ وحده إما بخلط سوداويّ ينصب إليه من موضع وإما بأن يتولد في الموضع بنفسه وتولده يكون من حرارة كثيرة تتشيط ويحترق إما المرة صفراء وإما الدم غليظ وأشد سوادا وفي هذا التمهر منفعة للمداواة وذلك أنه إذا كان الدم السوداويّ موجودا في البدن كله وجب أن يبتدئ في المداواة من فصد العرق وإذا كان الدم الذي ذكرناه إنما هو في الدماغ وحده لم يحتج إلى فصد العرق بسبب هذه العلة خاصة وأما لسبب شيء اخر فقد يمكن أن يحتاج إلى فصد العرق وليكن تعرفك للحال في الخلط السوداويّ هل هو في البدن كله أم إنما في الدماغ نفسه بما أصفه لك وهو أن تتثبت في بنية البدن ما حالها بعد أن يكون ذاكره من الأبدان أن من كان بدنه لينا أبيض مسمنا فقل ما يتولد فيه الخلط السوداوي ومن كان بدنه قضيفا شديد الأدمة أذب وكانت عروقه واسعة فهو أقبل شيء لتولد هذا الخلط وربما كان من بدنه أحمر اللون جدا يتغيّر بغتة إلى المزاج السوداويّ . وبعد هذا صاحب البدن الأشقر وأكثر ما يتفق هذا إذا كان أصحاب الأبدان فيما سلف من تدبيرهم قد تعييوا أكثر مما ينبغي ولزمتهم آفة واستعملوا التدبير اللطيف .