محمد بن زكريا الرازي
45
المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )
فالغذاء فيه أجود وأغزر منه في سائر الأمعاء . فالكبد تجذب منه لذلك أكثر مما تجذب من غيره والسبب الثاني قربه من الكبد فعروقها تجذب منه لذلك بسرعة والسبب الثالث أن فيه أفواه العروق أكثر مما في غيره والسبب الرابع لأن الكبد تجذب منه وهي كالخالية من الغذاء فيكثر جذبها لهذه العلة والسبب الخامس هو أن هذا المعي مغيض للمرار الأصفر بدءا وهذا المرار يعينه على تنفيذ الغذاء منه إلى الكبد وإلى ما دونه من الأمعاء . والمعي الثالث هو المخصوص باسم الدقيق ويخص بهذا الاسم سائر لفائف الأمعاء الدقاق التي لا تكاد توجد خالية من الغذاء دائما كما يوجد المعي الصائم . وأول الأمعاء الغلاظ هو الذي يلقبه الأطبّاء بالأعور وتسمّيه العرب السندير وإنما لقب بالأعور إذ ليس له إلا فم واحد منه تدخل إليه أثفال الغذاء ومنه يخرج وموضعه من البطن الجانب الأيمن لأن هذا الجانب كلن فيه متّسع له . والمعي الثاني من الغليظ هو الذي يسمّيه اليونانيون باسم يشيرون به إلى القولنج لأنه في أكبر الحالات يعرض القولنج فيه ومبدأه من الجانب الأيمن ثم يمر كالمنطقة إلى الجانب الأيسر وآخر الأمعاء الغلاظ هو المعروف بالمستقيم وطرفه الأسفل يتّصل العضل الذي يمسك البراز ويمنعه من الخروج حتى تطلقه الإرادة واحتاجت الأمعاء إلى أن يكون من طبقتين لشدة العمل بها أعني بما يحتاج إلى دفع قوى ولئلا تسرع الآفة إليها مما يمر بها من المرار حتى أنه ربما فنيت الطبقة الباطنة من الأمعاء في علل اختلاف الدم فإنه قد يكون ذلك ويسلم صاحبه بنقاء الطبقة الخارجة . فالأمعاء العليا لما جعلت لتنفيذ الغذاء إلى الكبد جعلت دقاقا تلتف تلافيف كثيرة لئلا ينفذ فيخرج من البدن شيء من الغذاء مما يحتاج إلى بقائه فيه . فأما الأمعاء السفلى وهي الغلاظ فوسعت لتقبل فضل الغذاء ويلبث فيها ولبثه فيها ينفع من وجهتين أحدهما أن لا يخرج إلا بعد مرة والآخر أن يستقصر جذب باقي الغذاء مما يشد جذبه عن الأمعاء الدقاق .