محمد بن زكريا الرازي
39
المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )
أكثر مما يوجد في غيرها » . وقد ذكر عن الإسكندرانيين أنهم قالوا : « الطبيعيّ من البلغم هو الصنف الحلو خاصة لأن الطبيعة تغتذي به أكثر وتميل إليه » . خلافا لقول بقراط وجالينوس : « إنّ الطبيعيّ من البلغم هو ما لا طعم له » . والذي نقول : « إن البلغم إذا كان هو الشيء الذي يتولد عما في الدم الذي في الكبد قبل أن ينضج وكان سائلا في الجسم كله وكان صلاحه أن به يكون حركة المفاصل والأعضاء وإساغة الازدراد الغذاء وكان عده في البدن ليتغذى به الطبيعة منه ويحيله دما إذا احتاجت إليه وحب » . كما قال جالينوس « ألّا يكون له مسكن يخصه وأنه لا آلة له في البدن يميزه وأنه الطبيعيّ دون غيره » . وهذا الصنف من البلغم خالص البرد والرطوبة . ومن البلغم نوع ثان حلو يتولد في الأعضاء والمعدة وحلاويه من ميله إلى الحرارة وقد تنتفع الطبيعة بهذا النوع من البلغم أقل من انتفاعها بالنوع الأول وتحمله إلى الدم إذا احتاجت إليها حالة أقل قليلا من الدمية المحضة . ومن البلغم نوع ثالث يتولد في المعدة والأعضاء وطعمه الملوحة لميله إلى الحرارة واليبوسة بمقدار هو أزيد مما في الحلو من أصنافه . وهذا الصنف يتولد في الأبدان الدمية لأن الدم إذا استحر واحتد أدخل على البلغم حراره تنقله إلى الملوحة ومنفعة هذا النوع للبدن في التغذية أقل من منفعة الحلو جدا . ومن البلغم نوع رابع وهو حامض ولذلك يشب إلى أنه بارد يابس بإضافته إلى أصنافه ويتولد أيضا في الأعضاء والمعدة ويكون تولده في الأجسام القليلة الدم العديمة للحرارة المعتدلة وانقلاب هذا النوع إلى الدموية بطيء ويتولد منه غذاء ضئيل جدا . وأنواع البلغم التي ذكرنا ما يختلف في الرقة والثخانة فمنه صنف يشبه الزجاج المسبوك في لذبته وثخانته وهو مائل إلى الحموضة وهذا الصنف أردأ أنواع البلغم وأخبثها لبرده ويبسه . فالطبيعة لا تكاد تغتذي به ولا تنتفع لعسر ( ؟ ) استحالته إلى النمو والتغذية ولذلك متى استكنّ في مواضع ضيقة المجرى جلب أوجاعا ردية كأوجاع الكلي والقولنج .