محمد بن زكريا الرازي
15
المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )
فمن سأل أي مزاج هو مزاج الإنسان أو غيره لم يتبع أن يكون جوابه مطلقا لكن يفعل أحد أمرين أما أن يذكر له جميع الأصناف . فيقال أيها أردت فنجيبه على مراده أو نخبره بمزاج ذلك الشيء على الأغلب من أوصافه . فنقول مثلا أن ( 2 ) حرارته أغلب فيه من برودته وأن نحن نسبنا مزاجه إلى شيء ليس مما تسأله كان للسائل أن يعكس جوابه بعينه على نحو ما نقدم القول فيه . فمتى قلنا أن الكلب يابس بقياسه إلى الإنسان قال لنا فهو رطب بقياسه إلى النملة والنخلة وعلى هذا يجري هذا الباب كله . وقد قلنا : إن الإنسان هو أعدل الحيوان مزاجا ونحن الآن نقول أيضا أنه أعدل النبات وسائر الأجسام والشيء الذي يقال أنه معتدل من الإنسان المعتدل هو المتوسط من جميع أعضائه في مزاجه وهو الجلد . ومن الجلد خاصة ما هو على باطن الكفين إذا كان باقيا على هيئته الطبيعية وبالجملة إن الإنسان المعتدل هو الذي يكون في مزاجه وبنية أعضائه وأفعاله الطبيعيّة والنفسانيّة على حال متوسطه بين ما هو فوقه ودونه من أنواعه أعني نوع الإنسانية . فيكون متوسطا بين التلزز والسخافة والسمن والقضافة والأبطأ والأسرع والحير والشجاعة لا يكون قليل النوم ولا كثيرة ويكون أكله بالقصد وكذلك شربه ويستمرىء طعامه في المعدة والكبد والعروق وسائر أعضاء البدن كله ويكون بين الأزعر والأزب وبين الأبيض والادم ( 3 ) ويكون شعره ما دام صبيا أميل إلى الشقورة منه إلى السواد . فإذا بلغ مبلغ الشباب صار على ضد ذلك . [ 4 - فنقول : إن أول حدوث أبداننا تكون من المنى والدم ] 4 - فنقول : إن أول حدوث أبداننا تكون من المنى والدم وهما حاران رطبان إلا أن الدم يشبه بمادة مسرعة في قبول المثال مؤاتية للفاعل في كل جهة والمنى يقوم مقام الفاعل وكل واحد منهما تركب من العناصر الأربعة إلا أن جوهر النار في المنى أكثر منه في الدم وجوهر الأرض والماء في الدم أكثر منه في المنى وقد يقهر في الدم الحار البارد والرطب اليابس ولأجل