محمد بن زكريا الرازي
16
المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )
ذلك لا يقال أنه يابس مثل العظم والشعر بل رطب والمنى أكثر يبسا من الدم إلا أنه في هذه الحال أيضا سيّال رطب . فمبدأ كوننا من هذين الجوهرين الحارين الرطبين أعني المنى والدم ثمران المنى والدم لا يزال أن يجفان قليلا قليلا حتى يكون عنهما أولا الأغشية والطبقات والأحشاء والأوعية ثم يتولد بأخره العظام والغضاريف والأظفار وذلك أن الجوهر الذي يتخلق منه الحيوان قبل أن يجمد ليس يتهيأ أن يتولد منه شيء في غاية من اليبس . واللين الكثير الذي في المولود قد دعا قوما من الأطبّاء إلى أن وصفوا المشايخ بالرطوبة والسبب في ذلك أن كثرة الفضول الذي فيهم غلطتهم لأن أعينهم تدمع بتواتر وآنافهم مملوءة مخاطا وأفواههم مملوءة لعابا كثيرا ويقذفون بالسعال بلغما . فيدل ذلك منه على أن أبدانهم أيضا مملوءة من هذا الخلط ومعدتهم مملوءة منه وجميع مفاصلهم مملوءة رطوبة مخاطية فلذلك وجب عندنا أن تكون أبدانهم أجفّ الأبدان وقد نجد العصب منهم والعروق والطبقات أجفّ مما كانت عليه أولا لأنه يحيط بها من داخل ومن خارج إما خلط بلغميّ وإما رطوبة مخاطية لكنه قد بلغ من يبس الأعضاء في أنفسها إلى أن لا تغتذي كما كانت تغتذي أولا لكنها يسبب ضعف الحرارة يعوق من خارج بكثرة الفضول الرطبة ويجف كل واحد منها من قبل أنه لا يمكنه أن يجذب الغذاء إلى باطنه ولا ينال ما يكتفي به فقد بان أن الشيخ ليس هو رطب في أعضائه بل إنما هو رطب بالفضول التي تجتمع فيه وهو يابس في أعضائه التي بأفعالها الطبيعية تتم الحياة . فالشيخ يابس بالشيء الذي به الفتى رطب أعني يبس أعضائه الثابتة وهي العظام والرباطات والأغشية والعروق والعصب والطبقات واللحم . فالشيخ في غاية اليبس بحسب سنه وهو أيضا في غايتة البرودة وذلك أنّا نجد بدنه عند اللمس باردا وبهذا يسرع البرد إليه حتى يخضر ويسود ويسرع إليه الأمراض الباردة أعني السكتة والفالج والكزاز والرعشة والنزلات والبحوحة ويكاد دمه أن يفنى إلا اليسير