محمد بن زكريا الرازي
9
المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )
لغلظه كما ترسب النواة المستكّنة في التمرة ويسيل ما يجري إليه من المخ سبيل الدهن الجاري إلى المشمشة ومثال ذلك عظم مجوف فيه ثقب ألقيته في أنابيه ماء فأنت تجد العظم يرسب بكليه في الماء لثقله لا بد أن يدخله ماء من ثقبه تلك لسيلان الماء ولأن بعض العظم يمسك بعضه عن الرسوب في الماء الذي هو مستكّن داخله ومثال الجلد مثال ما يغشى كل شجرة وثمرة من القشرة الغليظة التي تجمد منهما على ظاهرها بما يلقاهما من برد الهواء الظاهر كمثل ما يجمد على وجوه المطبوخة . ولسنا نعني بقولنا أن الأرضيّة التي في الغذاء تكون عظمأ أو تكون سودا الأرضيّة التي هي البرودة واليبوسة فقط لأن ما كان بهذا الوصف فهو الأرض المطلقة المحضة ومحال أن تكون الأرض هي بعينها العظم وهي بعينها السوداء ولكنّا نريد بقولنا أن ما في الغذاء من الأرضيّة يكون مرة سوداء ويكون عظما الشيء الذي تغلب الأرضيّة عليه . وكذلك القول في سائر الأخلاط وأعضاء البدن فافهم هذا ولا تغلطن فيه . وكذلك إذا قلنا الشيء غير العناصر التي هي أركان أنه حار أو بارد أو رطب أو يابس فإنما تنسبه إلى الأغلب من معانيه لا على الإطلاق إذ كان اسم الاطلاق إنما تستحقه الأرض بالحقيقة . [ 3 - ونقول بعد قولا لجالينوس ] 3 - ونقول بعد قولا لجالينوس « إنك لو أخذت مثانة وجعلت فيها ماء وترابا ورصاصا مبرودا وبرادة حديد ثم نفخت فيها وتركتها حتى تجفّ وجدت كل صنف من هذه الأشياء قد انضّم إلى شكلة وتجمع على حاله » . وعلى هذا المثال ينضّم كل شيء من الأغذية إلى ما يشاكله من أعضاء البدن مهمى وجد سبيلا إلى ذلك ومهمى تعدى من الموانع التي تعوقه عن اللحوق بجنسه وكذلك يستحيل كل قوة تتغذا بها الشجر من الأركان الأربعة إلى لون ذلك الشجر وشكله ورائحته . فالغذاء ينقلب بمادة الكبد ما على سنبينّ فإذا تتابعت الناريّة والريحيّة عليه انعقد فصار لحما وإذا اجتمع إلى اللحم مائيّة البلغم أبيض فصار شحما وإذا نشفت مائيّة الشحم صلب فصار عظما فإذا تحركت الريح في العظم صار