محمد بن زكريا الرازي
106
المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )
لم يحس طعمه إلا عندما يحركه شيء مما يؤكل أو يشرب فنجد عند ذلك ما يذوقه إما مالحا أو حامضا أو مرا بحسب الخلط الذي في جرم اللسان وقد تدخل الآفة على حس المذاق من قبل المرء بأن يفرق اتّصاله كما يفرق الحار وكذلك يفعل الحريف والمالح والحامض . وأما العفن فمن قبل أنه يجمع جمعا شديدا فقد يفرق الاتّصال كما يفرق البارد إذا جمع جمعا عنيفا . وما دام المذاق صحيحا فألذّ الطعوم عنده الحلو ومتى ناله آفة من الطعوم القابضة فألذّ الطعوم عنده في تلك الحال الطعم الدسم ومتى اعتّل فإنه يلتذّ بالشيء المضاد بما أعلّه . فإن كانت الحرارة هي التي غلبت عليه اشتهى البرد وانتفع به وإن غلب عليه الغلظ اشتهى اللطيف وانتفع به وإن غلب عليه اللزوجة اشتهى ما يقطع وانتفع به . وعلى هذا مجري الأمر في هذا الباب كله . ولذّة حس المذاق قد يكون من داخل ومن خارج . فالتي من خارج من الدسم والحلو وذلك أن البدن يحتاج إلى الحلو لأن منه يغتذىء وذلك أن الدم حلو ويحتاج إلى الدسم بما يحدث فيه من الاختلاف والخشونة . والذي يلقاه من داخل فيلتذه هو الدم والبلغم الحلو . وقد رأينا عيانا أن المضرة تنال اللسان في حركته وربما نالته في حس الذوق وربما نالته مع ذلك في حس اللمس وبالعصب الذي نالته من الزوج الثالث يعرف الأشياء التي تلمس والتي تذاق غير أن حس الذوق يحتاج إلى معرفة هي أشد استقصاء ( ؟ ) وألطف فلذلك إذا اعتل بعض هذا العصب فإن ضرره في الذوق دون اللمس ومتى اعتل الجزء المقدم من أجزاء الدماغ بقي حركة اللسان سليمة وتعطلت أفعال الأجزاء الحسية لأن روح العصب الذي يأتي عضل اللسان إنما هو منشؤه من الجزء المؤخر بعينه وكما أن ما يعرض في عضل اللسان يعوقه عن الحركات كذلك ما يعرض في الغشاء المحيط به من سوء المزاج يعوقه عن حاسة اللمس وحاسة المذاق وقد يعوقه العلة الآلية نحو الورم الدموي والورم