محمد بن زكريا الرازي

60

الحاوي في الطب

يمكن أن يكون في الثالث ويمكن في الخامس ، أما في الثالث فإذا كان المرض عظيما وكانت حركته سريعة ، وأما في الخامس فإذا كان أقل عظما وحركته أقل سرعة ، وذلك أنه يجب أن يرى في البحران نوبة الحمى ، وأما إن يجيء البحران في يوم الراحة فلا يكاد يكون إلا في الندرة حتى أني لم أره إلا مرة فقط وهذه هي العلة كما ذكرت في « كتاب أيام البحران » في انتقال البحران كثيرا على الرابع إلى الثالث إلى الخامس ، وذلك أن المرض الذي يأتي فيه البحران بهذه السرعة في غاية الجودة لا محالة ، والحمى في جميع الأمراض التي هي في غاية الحدة لا بدّ أن تكون إما متصلة على حال واحدة وهي سونوخوس وإما أن تكون غير متصلة على حال واحدة لكن تشتد غبا ، والحمى المتصلة على حال واحدة تعرض أقل مما تعرض الدائمة التي تنوب غبا ، وإذا كانت الحمى متصلة على حال واحدة ثم لم يعرض للمريض عارض من خطأ فالبحران يأتي في الرابع لأن الطبيعة حينئذ تتحرك للبحران على أدوارها الخاصية وقل ما يكون ألا يعرض للمريض خطأ ، فأما الحمى الدائمة التي تشتد غبا فلأن البحران إنما يكون مع نوبة الحمى فواجب أن يأتي فيها البحران في الثالث أو في الخامس ، وربما أتى فيها في الرابع إلا أن ذلك يكون إذا كانت النوبة التي أتت في الثالث تبقى منها بقية في الرابع ، وذلك أن النوبة التي تبتدىء في الساعة الحادية عشرة في المثل من اليوم الثالث يأتي البحران فيها إما في الليلة الثالثة وإما في اليوم الرابع في النهار . أقول : إنك متى رأيت في أول يوم من أيام المرض علامة بينة تدل على النضج وإذا كانت كذلك فلا بدّ أن تكون سائر العلامات بعيدة من الخطر فاعلم علما يقينا أن انقضاء ذلك المرض يكون قبل أن يجاوز الرابع ، فإذا نظرت مع ذلك في مقدار قوة المرض علمت مع ذلك هل يكون انقضاؤه ببحران أم لا ، فإذا نظرت في حركة المرض علمت هل ينبغي لك أن تتوقع البحران في الثالث أو في الرابع أو في الخامس ، وذلك أنك إن وجدته يتحرك حركة سريعة جدا فتوقع البحران في الثالث ، وإن كان في حركته إبطاء فتوقع البحران في الخامس ، وإن كانت متصلة على حال واحدة فتوقع البحران في الرابع ، ويعين على سرعة مجيء البحران قوة المرض والوقت الحاضر من أوقات السنة والبلد والسن والمزاج وسائر الأشياء التي ذكرناها قبل إذا كانت كلها معينة على تولد الصفراء ، وأضداد هذه تعين على تأخر البحران . مثال ذلك : أنه إن كان الوقت الحاضر صيفا وكان المريض شابا وطبيعته الحرارة ومرضه من إقلال الطعام وكثرة التعب واستعمال الأطعمة والأشربة التي تولد الصفراء كانت هذه الأشياء كلها معينة على أن يكون البحران في اليوم الثالث ، ولا سيما إن كان مزاج الوقت المتقدم والحاضر شديد اليبس وكان البلد الذي مرض فيه ذلك المريض حارا ، فإن رأيت مع هذا في هذا الوقت مرضى كثيرين قد أتاهم البحران في الثالث كان حدسك أصح وأوكد ، فإن اجتمعت أضداد هذه كلها وهو أن تكون حركة المرض أبطأ وقوته أضعف