محمد بن زكريا الرازي
43
الحاوي في الطب
لي : الناقة إما أن يشتهي الغذاء وإما لا ، وإذا اشتهى فإما أن يقوى به وإما لا ، فتكون التراكيب أربعة ، يشتهي ويقوى به هذه هي الحالة الجيدة ، ويشتهي ولا يقوى به هذه هي الحالة التي يأكل أكثر مما يطيق ، ويسقط قسمان لا يشتهي ويقوى ولا يشتهي ولا يقوى من كانت شهوته بعد المرض محتملة فاستفرغه لأنك إن غذوته فإنما تزيده شرا كما قال أبقراط ، قال : وفي الأكثر إنما يكون ذلك لأخلاط ردية في المعدة . لي : تفقد ذلك فإن رأيت أن سبب اختلال الشهوة امتلاء المعدة من رطوبات ندية فقيئه ، وإن رأيت سوء النفوذ فأصلح الكبد ، وإن رأيت البدن كله فيه أخلاط ردية فاستفرغه ، فإن كان عليل قوته ضعيفة فقوه أياما واستفرغه ، وإن كان ناقها لا يقوى وألزمه التفرغ لأنه إن كان ضعيفا لا يمكن فيه أن يستفرغ ضربة فقد رأيت رجلا هذه حاله وكنت أسهله كل يوم بالتفرغ مجلسين فنقي في عشرة أيام ثم تغذى وتقوى وإنما يحتاج إلى ذلك في الأكثر إذا لم يخرج من المرض ببحران . لي : ولا يتوانى في أمر الناقة إذا كان ساقط القوة وخاصة إن كان أحمر الماء لأنه ستعود عليه الحمى لكن استفرغه سريعا وبرده وأطفئه فإن كان في حال ناقة ضعيفا جدا فعليك بالتغذية بما يرطب ويبرد حتى يغمر الخلط المراري ويحيل كيفيته ، من كان ينال من الناقهين من الغذاء ولا يتزيد بدنه فإنه بآخرة يصير إلى أن لا يشتهي لأن هذا يدل على أن آلة شهوته قوية وإن آلة الغذاء ضعيفة فيتزيد على طول الزمان الأخلاط الردية في بدنه فيصير لا يشتهي ، وأما من كان لا يشتهي من الناقهين الغذاء ثم استفرغوا أو لم يستفرغوا لكن قل أكلهم بإرادة فإنهم سيشتهون بعد ذلك لأن النقية من المرض تنضج وتعود الحال الطبيعية . من كتاب حنين في « تدبير الناقة » ، قال : القول الذي ذكره جالينوس في « الصناعة الصغيرة » ، في تدبير الناقهين : إنما هو في الناقة الذي ليست في بدنه بقايا من الأخلاط الممرضة بل قد نقي غاية النقاء فإن هؤلاء دائما يحتاجون إلى التغذية والتدبير المنعش فقط وأما سائرهم فيحتاجون إلى علاج مرض أعني بعض ما يعالج به المريض من استفراغ ونحوه ، ولا ينبغي أن يغذوا قبل ذلك ، لأن أبقراط قال : إن البدن الذي ليس ينقى كما غذوته زدته شرا . لي : قد يكون ناقة يحتاج إلى أن تستفرغه وتغذوه معا لأنه يكون ساقط القوة ردي الأخلاط وهؤلاء أصلح الأشياء لهم الأغذية الدوائية كماء الشعير والسكنجبين ونحوه من سائر الأشياء مما يقمع الخلط الرديء الذي في أبدانهم وإن كان هو لا بد مما هو إغذاء من ذلك فمما لا يستحيل إليه البتة فإنه وإن لم يكن فيه استفراغ إذا أنت دبرته بهذا التدبير أصلحت أخلاطه . لي : مصلح . قال حنين : من الفصول التي ذكرها أبقراط مما يليق بتدبير الناقة قوله : البقايا التي تبقى بعد البحران يجلب عودة فإن هذا الفضل يرشد إلى أن يحرز في تدبير من لم يخرج من علته ببحران كامل ولا سيما متى رأيت ما يبرز من بدنه بعد البحران من بول أو براز مراريا فبقيت به أعراض مرضه كالعطش والغثي ومرارة الفم وسقوط الشهوة والإعياء ونحوه .