محمد بن زكريا الرازي

216

الحاوي في الطب

وقال : أول مراتب الدق أن يكون فوق الماء شيء كأنه ضباب ، وذلك يكون لأن الحرارة قد أذابت شيئا من الشحم إلا أنه قليل . والثانية أن يطفو فوق الماء دهن ، وذلك يكون ، لأن الحرارة قد أذابت ، إذا جاوز الأمر ذلك ، إلى أن يذوب من الشحم شيء له مقدار يرى إذا طفا دهنا مجتمعا . والمرتبة الثالثة أن يكون ثفل كرسني ؛ وذلك إنما هو قطع اللحم ، لأن اللحم لا يجيب إلى الذوبان بتفرد ، ولأن نواحيه تذوب عنه حتى يصير مستدير الطول مدة انحداره ، فإذا انحدرت في البول صارت في أسفله حبا كالكرسنة . قال : فإذا انحدر كحب الذرة ، أبيض فإن ذلك من العروق ؛ والدليل على ذلك بياض لونها ؛ فإذا أخرجت شيئا شبيها بسحالة الحديد البيض فإنه من العظام . لي : لم أر قط هذا النزول في أبوال الذابلين ؛ والذي عندي : أن هذا خطأ ، لا يكون أبدا ، لأن جرم القلب أرطب من العروق والعظم ؛ فإذا بلغت الحرارة إلى أن تذيبها فهي أن تذيب جرم القلب أولى ؛ والموت قبل ذلك . قال : ومن الثفل جنس شبيه بالشعر ؛ ويكون ذلك من مادة غليظة تندفع من مجار ضيقة فتستطيل . لي : هذا يكون وقد رأيته . وقال ج : إنه لا بأس على صاحبه . قال : فلنقل في الرائحة : الرائحة الحريفة تدل على شدة حرارة الحمى ويكون ذلك في الأكثر في الأمراض الحادة والناقهين وفي الأمزجة الحارة ؛ وبالجملة جميع ما يحمي البدن حميا شديد العمل حرافة الرائحة . وأما الرائحة الحامضة فتدل على غلبة السوداء ، وأن الحرارة الغريزية في البدن قليلة ، وفيه حرارة ما عرضية كالحال في الخمر إذا استحالت خلا . وأما سبب الرائحة المنتنة فإنها تدل على كثرة العفونة في البدن ، وقد يكون من قيح في آلات البول . وأما السهوكة فبفساد الرطوبة ولزوجتها كما يعرض ذلك للسمك . قال : وأما الطعم المر فإنه يدل على غلبة الحرارة واليبس . وسبب الملوحة إما كثرة البلغم المالح وإما شدة الحرارة مع الرطوبة . لي : غلط هاهنا ، وإنما هو بحرارة أرضية كالحال في الملح على ما ذكر جالينوس وبين هذا في « الأدوية المفردة » . وأما الحرافة فلشدة الحرارة ولطفها . وأما الحموضة فبحرارة قليلة عملت فيه رطوبة كثيرة ، وتكون في الأكثر لغلبة السوداء .