محمد بن زكريا الرازي
215
الحاوي في الطب
وأما إن كان سبب الحمرة الحرارة فإنك لا تجد الملاسة والصقال . لا في الرطوبة ولا في الثفل على ذلك ، لأن الحرارة تحرك الأشياء وتجففها وتخرج بعضها من بعض ؛ ولذلك لا يستوي الأجزاء . ويكون الحمرة مع ذلك خالصة صادقة جدا محكمة . قال : وإذا كانت الصفراء سبب بياض البول فإن الثفل الراسب يكون جافا وتحا يسيرا ، والرطوبة نفسها تكون لطيفة الأجزاء ، ولا يكون بياضها جدا خالصا ، لأن الحرارة تفني رطوبة الثفل وتجففه ، وينضم ويرى قليلا ؛ وإذا كان سبب البياض البلغم كان الثفل غزيرا أملس ذا بصيص وبريق وغلظ ورطوبة . قال : وإذا كان سبب السواد المرة السوداء كان الثفل مجتمعا يسيرا جافا ، واللون خالص منتشر غير شديد الاكتناز قليل الاستواء والملوسة ، ولا يكون السواد خالصا ؛ وإذا كان البلغم سبب الاسوداد كانت الرطوبة مستوية الأجزاء ذات ملوسة وبريق ، ولا يكون السواد خالصا ويكون شبه الحمأة غليظة رطبة . لي : وقال أيوب : رقة البول تكون إما من السدة وإما من التهم ، فيعدم النضج والهضم ، وإما للإكثار من الشراب كالذي يعرض في ذيابيطس ، وإما لغلبة المزاج البارد اليابس كالذي يعرض في سن الهرم . قال : الثفل الذي يكون في الرطوبة إما أن ينتشر في القارورة كلها فلا يكون له موضع خاص عن الرطوبة ، وإما أن يكون طافيا فوق الرطوبة ، وإما أن يكون متعلقا في الوسط ، وإما أن يكون راسبا في أسفلها . قال أيوب : الثفل يعني الرسوب قد يكون في الصحة وقد يكون في المرض ، فإذا كان في الصحة كثيرا فإنه يدل على هضم حسن وسعة في المجاري ؛ وإذا كان في المرض فيكون إذا دفعت الطبيعة الخلط الممرض . لي : قد بين ج أن الأبدان الحارة المزاج اللطيفة التدبير النحيفة لا يكاد يرسب في أبوالهم شيء وبالضد ؛ ورأيت أنا ذلك بالتجربة كذلك ؛ وذلك أني رأيت الضخام السمان يرسب في أبوالهم أبدا رسوب كثير يفزع له من لا دربة له من الأطباء ، وذلك لهم بالطبع . والنحفاء على الضد ، لا يكاد يرسب في أبوالهم شيء ؛ وقد تعاهدت ذلك في الأمراض كثيرا ، فلم أر نضجا البتة ولا منتهى برسوب . قال : وإن جاد الهضم كان رسوبا أملس أبيض مستقرا ؛ وإن كان دون ذلك كان الشيء الذي يسمى الثفل في الوسط ؛ وإن كان دون ذلك كانت غمامة فوق سطح الرطوبة ؛ وإن كان أقل من ذلك كان هذا الثفل منتشرا في الماء كله ، وصار البول لذلك خاثرا ؛ والعلة في ذلك أن الذي قد كمل هضمه وقد سكنت ريحه فاستقر لذلك ؛ وهو الذي في الهضم لم يبلغ أن يتجاوز عن الرطوبة فهو لذلك منتشر ؛ وأما الغمام المتعلق فيه فإن فيه هضما غير كامل إلا أن المتعلق أكثر انهضاما .