محمد بن زكريا الرازي

156

الحاوي في الطب

في أسباب الحميات وعللها الطبيعية قال ج في المقالة الأولى من « أصناف الحميات » : أما العلة التي لها يثور بالإنسان حر أو برد من غير تغير في الهواء ولا حالة من خارج توجب ذلك فليس البحث عنها يسهل - يعني حال ثوران الحمى . وقال في المقالة الأولى من « أصناف الحميات » : تمثيله بالزبل الذي قد عفن قولا يوجب منه أن الحمى تكون من أخلاط في البدن مستعدة لأن تعفن ، فإذا سخن منها جزء - إما بسبب باد وإما من نفسه لعدم التنفس - بلغ غاية ما له أن يبلغ في الحرارة ثم أنفش وتنفس ، فإن كان الفضل كله هو ذلك لم يعاود ، وإن كان من ذلك الفضل شيء آخر صارت هذه الحمى سببا لإسخان ما هو من ذلك الباقي أشد استعدادا لسخونة تسخن وتنفش على هذا المثال حتى بقي الفضل . لي : ليس يشاكل الفضل بل ما له أن يعفن . مثال ذلك أن الزبل إذا عفن وأنفش نقص منه مقدار كثير وبقي ما يبقى كالرماد ، ولذلك يكون دم المحمومين بعد الحمى في الأكثر رديئا ، فيحتاج منهم خلق إلى الفصد . لي : يحتاج أن يبحث عن علة لزوم النوائب لوقت كيف يكون ذلك . وقال في المقالة الثانية من « أيام البحران » : أما العلة في تكون نوائب الأمراض المزمنة إما كل يوم وإما في الربع وإما في الأمراض الحادة غبا فليس الوصول إليها يسهل ، وأما أن الأمر كذلك فالعيان يشهد بذلك . وقال في المقالة الثانية من « أصناف الحميات » : إنه يشبه أن تكون حمى البلغم تنوب كل يوم ؛ وحمى الغب في ذلك تنوب غبا ، من أجل أن الخلط المولد للغب إنما كان سريع الاشتعال - وكان يسهل استفراغ ما يصير إلى حال الغليان في كل نوبة لوقته حتى ينقى منه البدن كله - صارت تلك الحمى تقلع حتى ينقى البدن منها نقاء أكثر ، فلا يبقى بعد النوبة فيها من بقايا الحرارة العفونية إلا الشيء اليسير ؛ فأما الحمى البلغمية فإنه لا يستفرغ البدن فيها كثير استفراغ ، فلذلك لا تنقى النقاء التام ، لكن يبقى في البدن من الشيء الذي قد عملت فيه الحرارة العفونية كثيرا ، فلذلك لا تنقى فتراتها وتسرع كرات نوائبها . وأما الربع فلأن السوداء لما كانت باردة يابسة إذا اشتعلت صارت حارة يابسة فتشتعل اشتعالا تاما ، ولذلك يكون فيها استفراغ أكثر مما يكون من البلغمية ، ويكون فتراتها نقية .