محمد بن زكريا الرازي

461

الحاوي في الطب

قال : وإذا كانت لا تقلع هذه الحمى فإن البلغم فيها محصور في العروق ، ولا فرق بينها وبين النائبة إلا في هذه . لي : على ما ذكر جالينوس : وتفقد أوقات النوبة والفترة فإن كل واحدة منها مخالفة في ذلك الوقت للأخرى فإن البلغمية تخالف الغب والربع ، وذلك أن أزمان فتراتها ليست بنقية في صعودها فإنه ليس فيها شدة عظم الحرارة واللهيب ، وإن تخالف الغب في أن صعودها يبطئ جدا وبكد ما يبلغ منتهاها بخلاف الغب وما أشبه ذلك ، فتفقد هذا ليكون إن خفي عليك الأمر في وقت استدركته في الوقت الثاني ، وتفقد طول أزمان النوائب فإن البلغمية أطولها والغب أقصرها والربع متوسطة بينهما فإنها كذلك لا تكاد تفوتك المعرفة بها منذ أول نوبة . فليغريوس : في « رسالته في النقرس » : لا تكثر من الطعام فتكثر فيك الرطوبات ويجتذبها الرأس ثم ينزل منه إلى المعدة بلغم عفن ويبقى فيها فيورثك أفصارسوس « 1 » . لي : جملة سبب هذه الحمى عن المعدة وجل إضرارها بها وأجود علاجها تقويتها وتنقيتها جدا . من « جوامع البحران » : الحمى البلغمية النائبة كل يوم تعرف من الأسباب الجامعة لمادتها ومن الأسباب المقوية لنوعها ، والجامعة لمادتها : الشتاء والبلد والسن والمزاج والتدبير المولد للبلغم - كالنهم وكثرة الحمام بعد الطعام وسن الصبيان وضعف فم المعدة . والمقوية لنوعها : فالبرد والقشعريرة قبلها واختلاف النبض وخروجه عن النظام وانتفاخ الجنبين واللون الحائل إلى الصفرة والبياض وابتداء النوبة بالغشي . قال : وتعرف البلغمية اللازمة أنك تجد المقوية لنوعها والجامعة لمادتها ثم تجدها لا تفتر ، ولا تبتدىء نوبتها ببرد ولا تقلع باستفراغ محسوس . من المقالة الثالثة من « أصناف الحميات » ، قال : لا يكون في الحمى النائبة كل يوم قيء ولا بول مراري كما يكون في الغب - لي : إذا كانت خالصة . قال : ومن الحميات الخالصة المفردة حمى تكون من بلغم قد عفن تدفعه الطبيعة فتجرّبه في أعضاء حساسة ، وابتداء هذه الحمى يكون مع برد في الأطراف وشيء هو بالاقشعرار أشبه منه النافض ويعسر استيلاء الحرارة بعد البرودة فتطول مدة تزيد نوبة الحمى إلى أن تبلغ منتهاها ، وذلك أن الخلط الذي يتولد منه هذه الحمى هو في مزاجه بارد رطب وفي قوامه لزج . فلذلك هو بطيء الاشتغال بطيء الحركة ويمتنع من النفوذ في مواضع كثيرة من المجاري فيضغط ويثقل القوة أحيانا فيجعل النبض مختلفا ، وتكون النبضات الصغار الضعيفة منه أكثر ، وذلك يكون في ابتداء النوبة وأول تزيدها ، وليست حرارتها كحرارة الغب التي كأنها نار نقية لا تخالطها كدورة دخانية كأنها نار مشتعلة في حطب رطب دخاني

--> ( 1 ) في الأصل بدون نقط ، ولعله « انقيالوس » .