محمد بن زكريا الرازي
418
الحاوي في الطب
قال ج : الفحص عن أغذيتهم من أوفق شيء يستدل به . قال : فإن الطبيب إذا تفقد هذه الأحوال من البلد الذي يدخله لم يخف عليه ما يحدث على أهلها من الأمراض ، إذا كانت المدينة بارزة للجنوب مستورة عن الرياح الباردة وهي الشمالية كانت أمياهها حارة مالحة ورؤوس سكانها رطبة بلغمية وبطونهم كثيرة الاختلاف دائمة . قال ج : ذلك لأن الجنوب تملأ الرأس ويسيل منه إلى معدهم فينقض هضمهم وتختلف بطونهم وأبدانهم تضعف لأن دوام الرياح الجنوبية يرخي ويضعف ويغشي البصر ويثقل السمع ويكسل ويرهل ، وليس شهوتهم للطعام ولا هضمهم له بجيد ، لكثرة ما يسيل من البلغم إلى معدهم ، ولا للشراب ، ولا يستطيعون أيضا أن يكثروا من الشراب لأن الخمار شديد الأذى لهم لضعف رؤوسهم لأن الخمار إلى الرؤوس الضعيفة أسرع وأوحى « 1 » ، لأن من كان رأسه ضعيفا رطبا لا يتمكن من كثرة الشراب ، لأن ذلك يزيد الدماغ ضعفا فلا يقدر على التملؤ منه ، وأعمارهم قصيرة وأخلاقهم سيئة ، والقروح العارضة لهم عسرة بطيئة البرء رطبة رهلة ؛ ويعرض للنساء النزف بها - أعني كثرة الحيض - ويكنّ مسقامات أبدا . ولا يحملن إلا بعسر ، فإن حبلن أسقطن في الأكثر ؛ وليس ذلك من قبل طبيعتهم لكن من كثرة أمراضهم ، وأما الرجال فيعرض لهم اختلاف دم وبواسير ورمد رطب - وهو البخاري الدخاني القصير المدة - ويعرض لمن جاوز الخمسين الفالج كثيرا . قال ج : أكثر ما ينحدر إلى بطون هؤلاء النساء يمر من البطن إلى جميع البدن في العروق ، فإن أكثر ما في العروق يصير إلى الأرحام لأن الدم ينتقص منها في كل شهر . قال : والربو يكثر في هذه المدينة وفي صبيانهم خاصة وكذا الصرع والكزاز ، وذلك كله لكثرة البلغم في الرأس ، لأنه إن نزل إلى الرئة كان منه ربو ، وإن بقي كان منه صرع . ويعرض لرجال هذه المدينة لين البطن واختلاف الدم والحمى التي فيها برد وحر في حال وحمى طويلة شتوية وحمى ليلية وبواسير واختلاف الدم إذا كان البلغم النازل من الرأس مالحا . سكان المدينة الموضوعة قبالة الجنوب يعرض لهم لين البطن واختلاف الدم والحمى التي يعرض فيها حر وبرد معا وحمى شتوية طويلة وحمى ليلية وبواسير . قال : الذرب يحدث لهم إذا لم يكن البلغم النازل من رؤوسهم لذاعا ، ويحدث لهم اختلاف دم إذا كان مالحا ، وانتياليس « 2 » إنما يعرض لهم لأن البلغم الذي قد عفن يحدث معه سخونة والذي لم يعفن يحدث معه برودة فيكون في حال حر وبرد . قال ب : ولا يعرض لهؤلاء الجنب ولا ذات الرئة ولا حميات محرقة ولا شيء من الأمراض الحارة للين بطونهم .
--> ( 1 ) في نسخة : أصعب وأردى . ( 2 ) لعله : انقيالوس ، وهي الحمى التي يبطن فيها البرد ويظهر الحر .