محمد بن زكريا الرازي
419
الحاوي في الطب
قال ج : لأن فضول أبدانهم تستفرغ كل يوم ، وقد يعرض لهم رمد غير شديد ولا طويل ، أما الرمد فبسبب رطوبة رؤوسهم ، وأما غير شديد ولا طويل فبسبب تحلل عيونهم وسائر أبدانهم وتحلل الفضول منها سريعا قال : إلا أن يكون مع هبوب الجنوب يتغير الهواء معه إلى البرد فيحتقن كثيرا من ذلك ويطول ذلك الرمد . قال : وإذا أتى على هؤلاء خمسون سنة عرضت لهم نوازل كثيرة من الدماغ فيفشو فيهم الفالج ، ومن عرض له ذلك منهم كان الفالج في جميع بدنه ولا سيما إذا أصابت رؤوسهم حرارة بغتة أو برودة شديدة . والمدينة الموضوعة قبالة الريح الباردة أعني الشمالية المستورة عن غيرها من الرياح الحارة تكون رياحها البلدية أبدا هذه حالها وعرضها شمالي كثير وهذه ضد تلك المدينة الأولى ، لأن تلك جنوبية . لي : التغير الأول يعرض للبلد من العرض ، فيكون لذلك شماليا أو جنوبيا والشمالية بعضها شمالي بالإضافة إلى بعض فالهواء يكون شماليا أو جنوبيا أولا بالعرض . والثاني بالاستتار عن الجنوب أو عن الشمال . قال : وسكان المدينة الشمالية أقوياء وسوقهم دقيقة اضطرارا . قال ج : أما سكان المدينة الجنوبية فإن أبدانهم إلى الضعف والتخلخل ما هي « 1 » ، والسكان في الشمالية بالضد لأنهم أصحاء أشداء وسوقهم دقيقة نحيفة ، وصدورهم عريضة لأن بطونهم حارة لتكاثف الحرارة لبرد ظاهر أبدانهم فلذلك تتوسع الصدر وينحف ما بعد عن القلب لبعده عن الحرارة . لي : لأن الحرارة في هؤلاء لا تنبسط في الأطراف لكن تتعقد في وسط البدن وبطونهم السفلى يابسة جاسئة والعالية لينة ، لأن أهل البلد الجنوبي أصحاب بلغم فطبائعهم تلين وهؤلاء بطونهم العالية لينة لأن في معدهم صفراء كثيرة . قال : ورؤوسهم صحيحة صلبة شديدة اليبس لقلة الفضول فيها ويكون الفتق فيهم كثيرا وكذلك انشقاق العروق ، لأن أبدانهم صلبة ، فإذا وثبوا وحملوا شيئا كثيرا ثقيلا ينشق منهم الصفاق والعروق ، لأن صفاقاتها ليست هوائية لينة ، ويصيبهم ذات الجنب والأمراض الحادة كثيرا ليس بطونهم . قال : ويعرض لهم النفخ في كل علة ، وسبب هذا صلابة أبدانهم وتمددها ، فلتممدها تنقطع منهم العروق والعضلات ، ولكثافة سطوح أبدانهم لا تتحلل وتنفش تلك الرطوبات فتتنفخ ، خاصة إن كان ذلك في نواحي صدورهم وتنقطع عروقهم بسبب برد مائهم لأن الماء البارد يمدد جدا ، ويكثرون الأكل ولا يكثرون الشراب .
--> ( 1 ) لعلها : مائلة .