محمد بن زكريا الرازي
361
الحاوي في الطب
المرض على غاية السلامة ، فأما الغلط الكائن من الغذاء في الابتداء فإنه أسهل خطرا . لي : يحققه الإمساك عن الغذا فأما هاهنا فلا يمكن لأن القوة تخور . قال : فمن أعظم الأشياء نفعا أن لا يمنع العليل ماء الشعير أو بعض الأحساء في الأيام الأول من مرضه وأنت مزمع بعد أيام أن لا تعطيه منها ، وبالجملة انظر مقدار القوة في مرضه واجعل التدبير عند المنتهى . قال أبقراط : والذين يدبرهم الأطباء بالمنع من الغذاء في الأيام الأول وإعطائهم بعد فكثيرا ما يجدون ينزل من الرأس ومن نواحي الصدر أخلاط نية مرارية ويعرض لهم سهر يمنع المرض النضج ويشتد قلقهم ويتبرمون وتختلط عقولهم ويعرض لهم أن يروا كاللمعان ويمتلئ السمع أصواتا وتبرد أطرافهم وتكون أبوالهم غير نضيجة وإبزاقهم رقيقا مالحا يسيرا منصبغا بلون خالص ويعرض لهم عصر فيما يلي الرقبة واضطراب وينجذب نفسهم إلى فوق ويعظم ، وتلطأ أصداغهم وربما حدث صغر نفس وكان أردأ ويطرحون ثيابهم عن صدورهم ويرتعش أبدانهم وتختلج منهم الشفة السفلى ، فكل هذه الأعراض تعرض لمن دبره الأطباء تدبيرا رديا ممن يحمونه في الأيام الأول ثم ينقلونه إلى تناول أطعمه بغتة في اليوم الثالث أو الرابع أو الخامس أو السادس أو قبل أن ينتهي مرضه . قال : فيعرض من الامتناع من الغذاء أن تنصب إلى نواحي الصدر أخلاط مرارية ويعرض سهر والسهر يمنع من النضج ، وأما الخور فيعرض من المنع من الغذاء أو من تناول الغذاء بعد ذلك بكثرة لثقل المعدة به وتعرض لهم مرارة الفم واختلاط العقل من الصفراء ، واللمع لارتفاع البخارات ، وأما برد الأطراف فإنه يعرض متى أصاب المعدة كرب بسبب انصباب المرار إليها بسبب جوع طويل . قال : والأطباء الذين يجوعون المريض في الأيام الأول ثم ينقلونه بعد ذلك بغتة إلى الأغذية في وقت ينبغي أن يلطف تدبيره فيمنع النضج لأن البول في الوقت الذي يخف فيه البدن إذا لم يسق فيه ماء الشعير أو ماء العسل أو سكنجبيا يغلب عليه المرار كأنه لا يمازجه شيء آخر ولا ينقى ، وأما في الوقت الذي ينقل فيه المريض فنقلته إلى استعمال الأغذية فلأن المعدة تثقل فتصير أيضا القوة الحيوانية مشاركة لفم المعدة فيما يحل بها ولهذا السبب يصير البزاق رقيقا مالحا يسيرا منصبغا ويعرض لهم العرق نحو الصدر ويصيبهم اضطراب وسوء تنفس لأن المرض يلبث غير نضيج بسبب الأمرين جميعا : الجوع الطويل وتناول الأغذية في غير وقته ، ويتبع عدم النضج العرق والبزاق الموصوف هذا في ذات الجنب ، فأما سوء التنفس فيعرض عند تناول الأطعمة والغذاء في غير وقته ويطرح عنهم الثياب للكرب وتعرض الرعشة لضعف القوة واختلاج الشفة السفلى لشدة ألم فم المعدة ، ومتى ظهرت هذه العلامات قبل ظهور النضج فإنها تدل على اختلاط عقل شديد وعلى موت في أكثر الأمر ، ومتى ظهرت بعد ذلك دلائل النضج فإنها تدل على البحران .