محمد بن زكريا الرازي
362
الحاوي في الطب
قال : من به مرض حاد فإن كان قد نضج مرضه فليعط ماء الشعير فإن كان لم ينضج فلا تعطه إلا الأشربة إلا أن يعرض له بعض الأعراض الدالة على سقوط القوة قبل استفراغ البطن المفرط أو لذع في الأمعاء والمعدة ونحو ذلك من سهر أو غم أو تحلل خفي وبالجملة شيء يسقط القوة ولا سيما إذا كانت مواضع ما دون الشراسيف منه جافة يابسة مهزولة وينبغي أن لا تنسى وتغلطك أمر الشراسيف فإنه ربما كان ورم فوق يجذب الشراسيف إلى فوق قريب منه تمددها وانجذابها إلى فوق وبين هذا وبين ذلك . فرق ، وذلك أن هذا إذا كان من أجل ورم احتاج إلى تدبير لطيف وإذا كان من أجل هزالها ونحافة الجسم كله وكثرة تحلله احتاج إلى تغذ بماء الشعير مرارا كثيرا قليلا قليلا . لي : الفرق بين هذين ألا يكون في البطن ريح ولا حرارة ولا ورم ولا عطش ولا التهاب وأن يكون جميع البدن ضامرا ضئيلا وتتقدم العلامات والأسباب الدالة على انحلال البدن ، فجملة تدبير الأمراض الحادة أن تنظر في القوة والمرض فما أمكن أن ينتهي والقوة باقية أخذت بالجملة في استعمال الحمية الصعبة ، وما لم يمكن أن يبقى أعطهم الأحساء والأغذية اللطيفة ثم لطف التدبير نحو المنتهى لئلا يمنع البحران ، وما شككت فيه استعملت التوسط وملت إلى تقليل الغذاء لأنه يمكنك أن تلحقه إن حدث حادث يدل على ذلك ، ويستدل مع هذا كله بالأسباب الملتئمة كالأمزجة والسن وتخلخل البدن ونحوه ، ولطف التدبير بعد البحران بيومين أيضا لتأمن العودة . قال : وإذا انتقلت من حمية إلى اغتذاء أو من اغتذاء إلى حمية فتدرج في ذلك ما أمكنك وساعدتك القوة فلا تستعمل الأغذية والأحساء قبل النضج إلا عند ضرورة سقوط القوة . ماء العسل : متى كان بإنسان حمى حادة وقوته قوية ومرضه ينتهي إلى الخامس فإنه يكفيه ماء العسل وهو موافق في هذه الأمراض جدا وانتفاع أصحاب هذه الأمزجة الحادة به أقل ، وذلك أنه يستحيل فيهم إلى الصفراء إلا أن يسبق فيخرج بالبراز والبول فإنه حينئذ يجب ألا يضرهم بل ينفعهم نفعا عظيما وذلك أنه يخرج معه البراز وهو يبقى في بطون من بهم ورم في أحشائهم فلا يخرج معه ويزيد في الورم وضرره لهم أعظم جدا . وإن أعطى منه أصحاب الأمزجة الصفراوية وهو ممزوج حتى صار كالماء فإنه حينئذ لا يهيج العطش ولا يولد المرار . قال : إن الماء يبطئ في ما دون الشراسيف زمانا طويلا فينبغي أن يهرب من استعماله خاصة في الأمراض الحادة ، والعسل يستحيل إلى المرار ، واسق شراب العسل الكثير الماء لأنه يكون حينئذ مدرا للبول ومنفذا للماء لا العسل فيعطش . قال : ولا تستعمل ماء العسل في الحميات الذوبانية وذلك أنه من أعظم الأشياء لهم مضرة ، وهذه هي الحميات التي يكون فيها برازه زبديا وشيئا مراريا لكن استعمل في هذه ماء الشعير إلى أن تظهر ولو علامة واحدة خسيسة في البول تدل على نضج فحينئذ فاسقه الماء البارد فإنه ينفعه جدا .