محمد بن زكريا الرازي
329
الحاوي في الطب
لا تستمسك في البدن بسبب المرض وعلى أي جنس كان العرق فإنما تستفرغ فيه الرطوبة من الأعضاء العليلة . العرق الكثير في النوم من غير سبب يوجب ذلك يدل على أن صاحبه تحمل على بدنه من الغذاء أكثر مما يحتمل ، فإن كان ذلك من غير أن ينال صاحبه من الطعام فيحتاج إلى استفراغ . قال ج : صحة هذا الفضل يكون بأن يحفظ مع العرق الكثير ، وذلك أن القليل يمكن أن يكون لضعف القوة أو لسخافة البدن ، وكثرته تكون على وجهين : إما لإفراط تناول الأطعمة قريبا ، وإذا كان كذلك فامنعه منه ؛ أو لإفراط تناول أطعمة قد سبقت قبل ذلك ، وحينئذ ينبغي أن يستفرغ . لي : لأن الذي أفرط عرقه لتقدم امتلائه فقد حصل الامتلاء في عروقه ، والذي أفرط عرقه إنما هو لثقل الطعام على بدنه فلم يبلغ بعد أن يكثر الامتلاء في عروقه ، ولذلك إن منعته الغذاء اكتفى ، والأول أيضا إن منعته منه كفى في دفع ذلك العرق ، لكن الاستفراغ خير له لخلال ، منها : أنه لا يؤمن أن تبدر به مضرة في مدة هذه الأيام ، ومنها أن ذلك خير من أن ينهك القوة أياما كثيرة ، ومنها أن الباقي من دمه بعد التجويع يكون رديا ، لأن الألطف ينحل وأما بالدواء فإنه يخرج الخلط الزائد ويبقى الدم فيه . وغير ذلك أيضا ، أن يكون بها الكلام « 1 » . قال : العرق الكثير الذي يجري دائما حارا كان أو باردا ، فالحار يدل على خفة المرض والبارد على عظمه . قال ج : هذا هو العرق الجاري دائما في جميع أيام المرض ، وهذا يدل على كثرة الأخلاط ، لأن البارد يدل على أنها كثيرة باردة ، ولذلك هي أردأ لأنها أبطأ نضجا . والحارة أقل رداءة . إذا كان بإنسان حمى فأصابه عرق فلم تقلع حماه فتلك علامة ردية تنذر بطول مرض وتدل على رطوبة كثيرة ، ولذلك تحتاج الطبيعة إلى مدة كثيرة لتنضج تلك الرطوبة ويطول لذلك المرض بإذن اللّه تعالى وجلّ . السابعة من « الفصول » : إذا حدث عن عرق اقشعرار فرديء لأن أبقراط قال : إن أعراض البحران إذا لم يكن بها بحران فربما دلت على موت ، وربما دلت على أن البحران يعسر لأن الطبيعة قد رامته فلم تطقه . لي : أنا لا أستحسن هذا من أجل أنه ليس العرق من أعراض البحران بل الشيء الذي يكون به البحران ، وربما عنى أبقراط بذلك أن يظهر القلق والاضطراب وسائر العلامات التي تتقدم البحران ثم لا يكون البحران فإن ذلك بالحقيقة إنما يكون لأن المرض قد تزيد زيادة ردية فيدل على موت أو لأن الطبيعة قد أرادت أن تعمل بحرانا فلم تطق ، فأما هاهنا فإنما صار كذلك لأن الاستفراغ ينبغي أن يكون أخف فإذا كان العرق يجلب نافضا بعده دل على أن خلطا كثيرا برز إلى ناحية الجلد ثم لم ينحل بالعرق والبدن مملوء منه .
--> ( 1 ) كذا في الأصل وفي نسخة : رطوبة الكلام ، ولعله : مما يطول به الكلام .