محمد بن زكريا الرازي
274
الحاوي في الطب
منتفخة ، وأن التدبير كان تدبيرا يوجب الامتلاء إلا أنه لا يوجب امتداد الدم ، وأن معها ربوا ولهبا ولا يظهر في العروق علامات العفن ويكون الحر مع كثرته بخاريا أعني أن يكون الانقباض سريعا ، فمعلوم أنها سونوخوس الكائنة عن سخونة الدم . ولنضع أن هذه جمعاء ظهرت لكن كان معها علامات العفن ، وهو أن انقباض العرق إلى داخل كثير والبول يزيد حدة وأقل نضجا ونوع الحرارة أشد في الكيفية وكذا العطش وغير ذلك ، والحرارة في البدن كله مستوية أو شبيهة به وليست كالأولى التي كان لها في القلب والصدر أكثر اللهب والحرارة ، والتدبير يوجب العفن ودامت أيضا فلم تنقض كما تنقضي النائبة . أقول : إن هذا يقرب من القلب أنها سونوخوس عفنية . ولنضع أنها ابتدأت من غير سبب باد وابتدأت بقشعريرة وينخس البدن فيها كنخس الإبر وابتداء كان العرق في ذلك الوقت أصلب وأسرع انقباضا وصغرا مما عهدته ثم ابتدأت الحرارة ولم يطل الأمر حتى استولى استيلاء محكما على جميع البدن ، وغلب اللهيب والعطش وعرض معها قيء مرار أصفر وكانت الحرارة يابسة دخانية ، والتدبير والزمان يوجبان الصفراء ثم انحطت وانقضت بعد القيء ، وعرض معها خفة في الرأس ، والبول رقيق مراري ، فإن هذا يقرب من النفس أنها غب وخاصة إن انقضت ونقي العرق منها بعد اثنتي عشرة ساعة أو قبل ذلك . ولنضع أن هذه الأعراض تظهر كلها إلا النافض ولا يكون معها بول أرجواني غليظ ولا نبض عريض لكن كنبض الغب وبوله ونوع الحر فيها كنوعه . أقول : إن ذلك يقرب من النفس أنها غب دائمة ويتحقق ذلك إن خفت غبا . ولنضع أنها ابتدأت ببرد ضعيف إلا أنه خالص غير ناخس ثم طال الأمر وعسر في انتشار الحرارة ، ولما انتشرت أيضا لم تكن كثيرة اللهيب ولا ظهر عطش وتوقد وظهر الصغر والإبطاء في النبض والاختلاف أكثر مما ظهر في الغب وكان التدبير والمزاج والوقت والعادة قد جرت بحدوث حميات بلغمية وكانت أيضا من غير سبب باد . فهذا يقرب من النفس أنها بلغمية وتكون نوبتها طويلة والبول أبيض ولا ينقى العرق عند المفارقة لكن كان منها بقية . أقول : إن هذا يقرب أنها بلغمية وقد كان قبلها يسبق إلى البدن برد بلا حمى . فلنضع أن هذه الأعراض توجد إلا البرد والإقلاع . أقول : إنها بلغمية دائمة وخاصة إن خفت وثقلت في أوقات نوائب المفارقة . ولنضع أنها ابتدأت بعقب حميات مختلطة أو بعقب عظم الطحال أو بعض الأمراض السوداوية وكان نافضها كأنه يرض العظم بصدقه وغوره في البدن وعسر أن تسخن فلما سخنت اشتد سخونتها في الكمية والكيفية ، والبول عديم النضج والنبض كأنه مربوط إلى داخل أو يجذب إلى داخل جذبا مع صغر وإبطاء ، ونوع الحرارة يابسة قشفة .