محمد بن زكريا الرازي
252
الحاوي في الطب
بالنبض في صعود الغب كان دونه بكثير ، والاختلاف في نبضه بيّن جدا أبين منه في الغب وسائر الحميات ، وذلك أنا نجد أن أول الحركة وآخرها أسرع من وسطها ولا نجد فيها أيضا من شدة الحرارة واللهيب ما في الغب ، فهذا أعظم دلائله ، لكن لا تدع مع ذلك النظر في الأسباب الملتئمة - أعني السن والمزاج والمهنة والأمراض الواردة وعظم الطحال وحميات مختلطة - ولا يكون في هذه ولا في البلغمية قيء مرار لأن ذلك من خواص الغب ، فإن رأيت بعد سكون الحمى النبض أشد تفاوتا من النبض الطبيعي وأبطأ منه فقد بان بيانا واضحا بأنها ربع . فأما البلغمية فالنبض فيها أصغر من الربع بحسب صغر الربع عن الغب ، وكذلك أشد تفاوتا منه ويكون اللسان والفم كما يكونان في الغب على غاية اليبس ويكونان في هذه رطبة رهلة « 1 » والقيء والبراز بلغمي وتعتري « 2 » ذوي الأسنان والأمزجة البلغمية ، وما رأيت شابا مراريا قط حم هذه الحمى بل أنها أسرع إلى الصبيان وخاصة إلى الصغار منهم وإلى المبلغمين بالطبع والتدبير ، فإن كانت في ذلك الوقت هذه الحمى فضم هذه العلامات إلى ذلك . قال : وليس يسكن العرق في هذه الحمى كما يسكن في الربع والغب ولهذا لا تبقى فتراتها . قال : والبول في ابتداء البلغمية إما رقيق أبيض أو غليظ أحمر كدر مشبع الحمرة ، وفي الغب تجده إما مشبع الصفرة أو دون المشبع بقليل وفي الربع مختلف الأحوال في اللون لكنه فيها كلها غير نضج . قال : فهذه دلائل المفترة ، فأما اللازمة فأعظم دلائلها ألا تجد شيئا من الدلائل التي ذكرنا في المفترة وأن تمضي أربع وعشرون ساعة ولا تنحط ويكون تزيدها مختلفا . لي : لم يعد دليلا بينا ولكن إذا رأيت الحمى ابتدأت بلا سبب باد وليس فيها نافض فظن أنها من اللازمة ، فإن رأيت تزيدها مختلفا بلا ترتيب لكن تنقص وتخف مرة وتشتد أخرى ويدوم على ذلك أو يطول التزيد حتى يجاوز وقت تزيد جميع الحميات فاستيقن أنها لازمة . من « جوامع أغلوقن » : جميع الحميات غير المفترة لا يكون في ابتدائها نافض ولا معها عرق ، فإن كان في وقت ما حمى دائمة في ابتدائها برد الأطراف أو قشعريرة فذلك يكون لورم عظيم في الجوف فتنضم الحرارة إليه في وقت الحمى أو لأنها مركبة مع حمى أخرى تدور . إذا حدث في أول الحمى نافض شديد مرعد فهي غب ومع ذلك خالصة ، لأن الغب غير الخالصة بقدر قلة خلوصه يقل نافضها وتطول نوبتها . قال : لا يخلو النافض أن يجد صاحبها مس البرد أكثر كما يكون ذلك في البلغمية وجميع أصناف النافض التي لا تسخن ، وأما مس الرض والتكسر كما يكون في الربع ، وأما مس اللذع والنخس كما يكون في الغب .
--> ( 1 ) كذا في الأصل ، ولعله : رطبين رهلين . ( 2 ) كذا في الأصل ، ولعله : بلغميان يعتريان .