محمد بن زكريا الرازي
160
الحاوي في الطب
في الاحتراس قال : وخلق كثير ممن كان في بدنه أخلاط هذه حالها لما ينزفوا بالسعال وكانوا لم ينفثوا بعد عنينا بأمرهم فبرؤوا برءا تاما ، والذي ينبغي أن تصرف عنايتك إليه من أمر هؤلاء وتهتم به أكثر من جميع الأشياء أن لا يسعلوا ولا ينحدر من رؤوسهم إلى صدورهم شيء ، وذلك يكون بثلاثة أشياء : الإسهال ، والدواء المتخذ بالبزور المحمر أو غيره من المسخنات على الرأس ، وليكن المسهل مؤلفا من أدوية مختلفة ليخرج أخلاطا مختلفة كالذي ألفنا نحن من الصبر والسقمونيا وشحم الحنظل والغاريقون ومقل اليهود والصمغ ، وإن احتجت في آخر الأمر أن تسهل المرة السوداء فافعل ، وأما الرأس فينبغي أن تداويه بأن تجعل عليه القيروطي المتخذ بالينبوت فهذا ما تفعله في أول الأمر ، وأما بعد ذلك فينبغي أن تدبر العليل تدبير الناقة فتغذيه أغذية تولد دما جيدا وتدلك يديه وتغمزه وتحركه بالمشي وتدخله الحمام ، واعلم أن هؤلاء أحوج الناس إلى شرب اللبن - يعني الذين يخاف عليهم السل من أخلاط مالحة حريفة في أبدانهم - وقد وقعوا فيه ، قال : وإن لم يشربوه بلغوا الغاية من حد ما لا يبرأ . قال : فأما الفصد فمن كان قليل الدم منهم فدبره أولا بالتدبير المولد للدم الجيد ثم افصده بعده واغذه أيضا بعد الفصد بالمولد للدم الجيد ثم افصد إن احتاج إلى ذلك . وأحوج الناس إلى ذلك من كان في دمه عكر وثفل راسب غليظ ، فأما من كان قويا كثير الدم فافصده في أول الأمر . قال جالينوس : جميع ما ذكرته هو مما قد جربته وامتحنته . قال : وبهذه الثلاثة الأشياء ينجو هؤلاء القوم من السل - أعني بإسهال البطن وإسخان الرأس والفصد - لي : يعني من في بدنه أخلاط رديئة . فإن نزلت نزلة إلى صدره وتقيحت عفن . قالوا : ولا ينبغي أن تسوّف الأيام في علة السل ولا تقدم أولا التدبير الضعيف لكن ابدأ سريعا في أول الأمر بالعلاج القوي لأنه لا يحتمل إلا ذلك ، فبادر إذا رأيت نفث الدم بالفصد والتدبير الذي ذكرنا - أعني المسهل وتجفيف الرأس - لي : هذا إذا كان عرض نفث الدم عن نزلة . قال : ولا تظنن أنه لا بد ضرورة أن يلزم قروح الرئة ورم في الابتداء ضرورة فإنك قد ترى خارجا خراجات كبارا تلتحم قبل أن ترم ونحن أيضا قد أبرأنا خلقا كثيرا ممن انفسخ في رئاتهم عروق قبل أن يرم ، والدليل على أن الرئة قد ورمت الحمى لأنه لا يمكن أن ترم الرئة ولا تهيج حمى على قربها من القلب ، وأيضا أن ينفث العليل صديدا أو قيحا .