محمد بن زكريا الرازي

139

الحاوي في الطب

التي من قبل أن تنقى جيدا تبدأ بنبات اللحم فيها فهي أحرى أن ينبت فيها لحم فضلا ، وأما التي بعكس هذه فعكس ذلك . وكل القروح تحتاج إلى أن تجفف إلا الكائنة من رض أو فسخ في اللحم فإن هذه تحتاج إلى أن ترطب وتسخن لتقيح المادة سريعا ، والإسهال بالدواء نافع لجميع القروح العسرة التي تؤول إلى فساد العضو وكذلك القيء ، وأي جراحة نفذت إلى تجويف الصدر أو البطن فصاحبها على خطر وخاصة إن خرقت بعض الأحشاء . والتي تصيب المفاصل أيضا تصير إلى حال رديئة في أسرع الأوقات ، وذلك أنه حيث كان من البدن أوتار أو عصب ومواضع معروفة عديمة اللحم كثيرة العظام كان من أصابه جراحة فيه مشرفا لشدة الوجع على التشنج والسهر واختلاط العقل فمثل هذه الجراحات كلها تحتاج إلى الإسهال القوي والقيء . والقروح التي تريد أن يؤول أمرها إلى فساد العضو معها أبدا ورم حار ، والتي تدب وتنتشر تتولد من صفراء ، والتي تزمن إنما تزمن لرداءة الأخلاط فلذلك ينفعها كلها الإسهال ، وكل قرحة تكون معها حمرة فاستفرغ البطن لها إما بالإسهال وإما بالقيء من الناحية التي هي أصلح وأوفق للقرحة تجذب المادة إلى جهة الخلاف أو إلى موضع غير الموضع الذي قد مال إليه . وما دام الفضل ينصب فالجذب ينبغي أن يكون إلى جهة الخلاف ، فإن كانت القرحة فوق جعلنا استفراغ البطن من أسفل ، وإن كانت أسفل فالقيء ، وإن كانت المادة قد انقطعت جذبناها إلى موضع قريب لأن ذلك أمكن ، وكذلك استفراغ الدم . قال : إذا كان في القرحة ورم فليس يمكن أن ينبت اللحم ما دامت القرحة وارمة . قال جالينوس : إذا أردت أن تبط الخراج فشقه في أشد موضع فيه نتوءا فإن هذا الموضع أرق وتوخ أن يكون البط إلى الناحية التي تكون مسيل القيح إلى أسفل ، ثم ضع عليه بعض الأدوية التي تجذب بلا لذع . وإن وجدت شيئا من العضو قد تعفن فلا بدّ من قطعه ، وإذا كان البط في الأربية والإبط فليكن ذاهبا مع ذهاب الجلد بالطبع عندما يبنى وعند البط فاملأ الموضع بدقاق قشور الكندر فإن فيه قبضا يسيرا فهو لذلك أفضل من الكندر هاهنا فإن الكندر الدسم بسبب أنه لا قبض فيه يقيح قليلا ، وأما قشاره فإنه يجفف بقوة قوية ، وقبل ذلك سكن وجع العضو بتعريقه بالدهن وتجعل على الفتائل - التي توضع فوق دقاق الكندر التي حشوت بها القرحة في أول الأمر - الأدوية المقيحة ثم الأدوية المنقية ، ثم إن كان في القرحة بعد غور فعالجها بما ينبت اللحم ، وإن لم يكن له غور فأدمله بدواء القليميا . وإذا كان الورم الحار والقرحة في الرجل فلا يقم على رجليه ويدلك بدنه ويحركها وهو جالس ، وإذا كان في اليد فالمشي صالح له ودلك الساقين لأن القانون اجتذاب المادة إلى ضد الجهة . قال جالينوس هاهنا أيضا : إنا ربما قطعنا من عظم الساق جزءا عظيما فإذا فعلنا ذلك فقد نبت مكانه لحم صلب في أول الأمر ثم إنه يصلب حتى ينوب عن العظم . وكذلك إذا قطع سلامي من سلاميات الأصابع رأينا أنه ينبت موضع تلك السلامي جوهر آخر شبيه بالجوهر الذي ذكرته قبل في الصلابة حتى أنه ينوب عن تلك السلامي .