محمد بن زكريا الرازي
92
الحاوي في الطب
استعماله مع هذا في انبعاث الدم من غشاء الدماغ لا خطر فيها - أن يؤخذ كندر جزء وصبر نصف جزء فتجعلهما ببياض البيض كالعسل بعد جودة السحق ، ويؤخذ من وبر الأرنب شيء لين فلوثه فيه وضعه على العرق المخروق وعلى القرحة كلها وأكثر منه واربطه بخرقة تلف على الموضع لفات أولا ثم اذهب نحو أصل العرق في الأعضاء التي يمكن ذلك فيها ولا يمكن في كل عضو إلا في غشاء الدماغ ثم حل الرباط بعد الثالث ، فإن رأيت الدواء لازما للجرح لزوما محكما فلا تقلعه ولكن ضع حوله شيئا آخر كأنك تشوي به في ذلك الوقت الوبر الذي هنالك من وبر الأرنب ثم اربطه كما ربطته في المرة الأولى ، فإن بتر الوبر الأول من تلقاء نفسه من القرحة فاغمز بإصبعك غمزا يسيرا على أصل العرق حتى لا يسيل منه دم ، واقلع الوبر الأول وضع مكانه آخر ولا يزال هذا دأبك حتى ينبت حول العرق لحم بعد أن تحفظ العضو في هذا الوقت كله أن يكون منتصبا بلا وجع فإنه لا شيء أجلب للنزف والورم من الوجع ، واجعل هذا الدواء مرة على ما وصفته ومرة اجعلها بوزن سواء ، أو تزيد في الكندر قليلا قليلا أو اجعل مكان الكندر قشوره فإنه أقبض ، والكندر أبلغ في اللزوم والتغرية وما كان من الأبدان صلبا فاجعل في هذا الدواء الصبر أكثر وما كان أرطب فالكندر أكثر ، وأحد هذين الدواءين يكون أشد قبضا والآخر أشد تغرية ، وهذا أفضل الأدوية ؛ ولهذا أمرت باستعماله دائما في العلاج لانبعاث الدم من غشاء الدماغ وانبعاثه من جراحات الرقبة حتى أني استعملته في الدم المنبعث من الودج من غير أن أربط العرق برباط ، ويجب أن تعالج هذا العلاج بتؤدة ورفق وتبتدىء فتضع اليد على أصل العرق وتضبطه شديدا وضع بعد ذلك الدواء على الخرق واربطه إلى ناحية أصل العرق ، والغرض هاهنا هو أن يكون قد نبت حول العرق لحم عندما يسقط عنه الدواء . فأما الأدوية التي تحدث قشرة فإنها تقوي العضو وتصلبه وتلحمه أيضا عند سقوط القشرة بأكثر مما كان في الطبع ؛ وكثيرا ما يعود انبعاث الدم عند سقوطها فلذلك ينبغي أن نختار الطريق الأول إذا كان أجود عاقبة إلا أن يضطر إلى هذا بأكثر مما يضطر إليه إذا كان انبعاث الدم بسبب آكلة وقعت في العضو فإن الكي هاهنا أبلغ وذلك أن اللحم هاهنا لا ينبت فيها . ومن هذه الأدوية المحرقة فأفضلها لهذا العلاج ما كان معها مع ذلك قبض كالزاج والقلقنت ، فأما التي لا قبض فيها كالمتخذة بنورة لم يصبها ماء فهو أقوى في إحداث القشرة إلا أن قشرتها تسقط سريعا والمتولدة عن حرق الأدوية القابضة تبقى زمانا طويلا لا صقة بالجرح ، وهذا أصلح كثيرا لأن القشرة متى طال مكثها يسبق نبات اللحم تحتها قبل سقوطها فصارت ضماما لفم العرق ولذلك ينبغي أن لا تبادر في كشط القشرة وقلعها ، فإن اضطررت إلى كشطها فحيث يضطرك إلى الكي العفن فقط ، وأقول : أن الدم المنبعث من العروق إنما ينقطع إما لأن مجيئه إليها ينقطع وإما لأن خرقها ينسد وإما لهما جميعا وهو أجود مجيء الدم في العروق ، وينقطع عنها بغشي يعرض للعليل ، أو باجتذاب الدم إلى ضد الناحية أو تنقله