محمد بن زكريا الرازي

93

الحاوي في الطب

إلى عضو آخر وتبريد جملة الجسم وخاصة العضو الذي فيه الخرق وكثيرا ما ينقطع الدم من شربة ماء بارد أو صب الخل الممزوج من خارج أو شيء مما شأنه أن يقبض ويبرد . والعلاج في الدم المنبعث في العروق الباطنة اجتذاب المادة إلى خلاف الناحية ونقلها إلى موضع آخر والأطعمة والأشربة المقوية والأدوية القابضة المبردة ؛ ويستعمل ذلك بحسب الأعضاء . وقل ما يعرض أن يكون انبعاث الدم من المثانة والكلى والأرحام قويا كثيرا إلا أنه من جهة طول مكثه لا يؤمن سوء عاقبته ، وأعرف امرأة كانت تنزف أربعة أيام فلم ينقطع عنها بشيء من العلاج حتى عولجت في الرابع بعصارة لسان الحمل فإنها مع علاجنا لها انقطع النزف البتة . وهذه العصارة نافعة من انبعاث الدم إذا كان بسبب آكلة ، وينبغي أن يخلط بها في بعض الأوقات أشياء قوية بحسب ما ترى ويؤخذ الدليل على ذلك من كثرة الدم ، لأنه إن كان ينبعث من عرق عظيم فقد يحتاج في مداواته إلى أشياء كالجلنار ولحية التيس وسماق وعصارة الحصرم والعفص الغض وقشور الرمان ، فإن كان انبعاث الدم إنما هو من عروق الصغار فهو قليل قليل فإن دقاق الكندر ولحى شجر الصنوبر والطين المختوم وثمرة الشوك المصري والزعفران وشاذنة ونحوها مع شراب أسود قابض من خيار الأدوية ولسان الحمل وعنب الثعلب ، فإن لم تتهيأ هذه فخذ أطراف الشجر القابض فاطبخها واستعمل طبيخها واستعمل طبيخ حب الآس والزعرور . وإذا كان انبعاث الدم حدث عن آكلة فإنه في أكثر الأمر لا يكون انبعاثه قويا لكنه قليلا قليلا ، واستعمل في هذا الموضع أقراص أندرون وأقراص فراسيون وأقراص بولونداس والأقراص التي ألفتها أنا فإنها من جنس هذه إلا أن هذه أقوى وذلك لأن هذه الأقراص تقطع الآكلة وتدفعها وأعن مع ذلك بجملة الجسم ، وإن كان انبعاث الدم قويا فاستعمل من الأدوية القابضة جدا حتى تقطع ذلك قوة الانبعاث ثم اخلط مع هذه الأدوية الأقراص التي ذكرتها ، ثم استعملها وحدها ببعض العصارات والمياه المطبوخة وليست أحمد الأدوية التي توضع خارجا لانبعاث الدم مما يقبض ويبرد من غير أن يقبض جدا مطلقا لكنها كثيرا ما تفعل جلاء ويحتاج إليه بأن تدفع الدم إلى ظاهر البدن وتملأ العروق الباطنة . وأعرف قوما ممن كان الدم ينصب من رئاتهم أضر بهم تبريد صدورهم إضرارا بينا . وكذلك كان قوم ينفثون الدم لما بردت معدهم من خارج أضر ذلك بهم ، وعلى هذا المثال كثير ممن أصابهم الرعاف أضر بهم تبريد الرأس إضرارا بينا ولذلك لا ينبغي أن تبرد الأعضاء التي ينبعث منها الدم إلا بعد أن يكون قد روت الدم وقلبته إلى أعضاء أخر . مثال ذلك : أنه إن كان الدم ينبعث من المنخرين فصدت صاحبه أولا واستعملت فيه الدلك وغمز الأطراف وربطها وتعليق المحاجم على جنبيه . وإذا فعلت ذلك أيضا فلا تبادر تبريد الرأس لكن اجذب ما قد حصل في الرأس إلى خلاف الجهة التي يجري منها ، بأن تضع المحاجم في مؤخر الرأس ثم برد الرأس بعد ذلك فاستعمل في إلحام خرق العرق