محمد بن زكريا الرازي
88
الحاوي في الطب
قال : فاتخذ كشك الشعير من أجود الشعير واطبخه أفضل الطبخ لأنه يجوده الطبخ ولا يلبث المريء ولا يلتصق منه به شيء البتة كسائر الأغذية الغليظة وذلك عظيم النفع في ذات الجنب ، لأن ذات الجنب والرئة الحرارة في الصدر كثيرة ، فإذا لزق شيء في المريء جف سريعا وأكرب وعسر انقلاعه وأورث عطشا وغما . قال : وكشك الشعير قاطع للعطش زلق سريع الانهضام إذا أجيد طبخه ، قال : وكشك الشعير عظيم النفع إذا استعمل على ما يجب . والآن أقول : كيف يستعمل ؟ متى كان في جوف العليل ثقل الطعام محتبسا قد طال لبثه هناك قبل أن يستفرغ ذلك الثقل وجب ضرورة أن ينال العليل لسبب السدد الحادثة في الأمعاء من ذلك الرجيع اليابس المحتبس فيها ضرر ، لأن الريح لا يجوز إلى أسفل للخروج بعد أخذ الكشك ولكنها تتأدى إلى أسفل الموضع للعليل تأديا رديئا فيصير الوجع ضرورة أشد ، وإن كان قد سكن قليلا عاد ، وإن كان قد سكن في ما مضى البتة عاد بشدة ، وذلك أن الرياح التي تتولد ولا تخرج ، وبخار الرجيع يصير إلى الجنب العليل ويحدث الوجع ويصير النفس لشدة الوجع أشد تواترا ، ولشدة التواتر يحدث حرارة في آلات النفس لتواتر حركتها ويجف الرئة والحجاب ويشتد الوجع أكثر . قال أبقراط : إذا كان وجع ذات الجنب لا يخف بالتكميد والبصاق لا يخرج لكنه يزداد لزوجة فإنه إن لم ينحل الوجع إما بتليين البطن وإما بالفصد بحسب ما يحتاج إليه وأعطى ماء الشعير وهو بهذه الحالة مات سريعا . ج : إن ازداد البزاق لزوجة وعسرا من غير نفث فذلك من دلائل الشوصة الرديئة ، والنفث اللزج قد يتلزج أيضا قليلا إلا أنه لا يبلغ الغاية القصوى من اللزوجة ويسهل نفثه مع ذلك ، فأما إذا أقبل النفث يزداد لزوجة دائمة ويعسر النفث مع ذلك فإنه دليل خبيث رديء ، والشوصة ينحل وجعها إما بالتكميد وإما بالفصد وإما بتليين البطن ، فإذا كان شيء من هذه لا يحلها فذلك رديء ، وعظم هذه الأعراض في النهاية يدل على بلوغ ذات الجنب نهايته ، وهو في هذه الحال متى استعمل كشك الشعير قبل سكون هذه الأوجاع قتل العليل سريعا . قال : فأما الأدوية المخدرة فإنها لا تسكن وجع الشوصة بقلع السبب الفاعل لكن بتخدير الحس . لي : في خلال كلامه أنها تحتاج أن تستعمل إن اشتد الأمر ، قال : ففي مثل هذه المواضع إذا استعملت كشك الشعير مات العليل في السابع وقبل وبعد ، وبعضهم يختلط عقله وبعضهم يختنق إذا اشتدت لزوجة البصاق ، ولزوجة البصاق يشتد إذا تواتر النفس جدا ، وإذا كان هذا الوجع في غاية العظم والرداءة وجد جنب العليل - إذا مات - قد اخضر كما يخضر موضع الضربة لأن الدم الذي ينصب إلى ذلك الموضع - إذا مات العليل - مات فاخضر لأنهم يموتون قبل تحلل الوجع وذلك أنهم يقعون في النفس العظيم المتواتر ويلتزج