محمد بن زكريا الرازي

89

الحاوي في الطب

بصاقهم ويختنقون سريعا ، قال : وكل واحد من هذين الأمرين يعين الآخر وذلك أن احتباس البصاق يزيد في عظم النفس وتواتره ، وعظم النفس وتواتره يزيد في لزوجة البصاق ، ولزوجته تزيد في احتباسه لأنه متى احتبس البصاق ضاقت قصبة الرئة واحتاج أن يتنفس أعظم وأشد تواترا ، ومتى فعل ذلك سخن الصدر أكثر وجفت الأخلاط أشد ومتى جفت واشتدت كان لصوقها أشد فصار يدور لذلك . قال أبقراط : وليس يعرض ذلك من استعمال كشك الشعير في غير وقته فقط لكنه قد يعرض أيضا أكثر من ذلك متى أكلوا أو شربوا شيئا آخر أقل موافقة من كشك الشعير . وبالجملة فمتى ابتدأت حمى مع وخز في الجنب إن كان عهده بالطعام قريبا فلم يستفرغ بطنه البتة فلا تعطه حساء البتة حتى ينحدر طعامه . لي : وحتى يسكن وجعه ، ويفصد أو تسهله ، واسق أصحاب ذات الجنب السكنجبين في الشتاء فاترا وفي الصيف باردا ومتى كان العطش شديدا فاسق الماء أيضا ، واعلم أن الماء البارد ليس بجيد في هذه العلة ، فاسق منه إذا اضطررت إليه أقل ما يمكن إذا كان العطش لا يسكن بالسكنجبين والماء البارد ، لأن البارد يطيل نضج الورم ويمنعه وإذا كان مع السكنجبين لم تخش ذلك لعلتين : إحداهما لقلة مقداره لأن البارد الذي يسقى للتطفية إذا لم يخف الورم يكون مقدارا كثيرا جدا ، والثانية أن السكنجبين يصلح الماء لأن فيه تقطيعا وتلطيفا . مثال : أنزل أن رجلا متكاثف الجسم يابسة قواه « 1 » واسع العروق وقوي القوة الحيوانية صابرا على الجوع مرض في وقت ليس بالشديد البرد فم معدته وكان يستعمل قبل مرضه أطعمة كثيرة الغذاء . وضع آخر : رطب الجسم متخلخله وضيق العروق ضعيف القوة وفم المعدة مرض في وقت حار وكان قبل ذلك يستعمل أغذية قليلة الغذاء . فأنزل أنهما مرضا مرض ذات الجنب . أقول : إنك إن لم تغذ الأول واقتصرت على الأشربة متى رجوت ألا تتأخر نهاية مرضه أكثر من ذلك وغذوت الثانية من أول العلة بكشك الشعير أصبت التدبير وخلصا جميعا ، فإن قلبت التدبير قتلتهما جميعا قبل اليوم السابع بأن يختنق أحدهما بسرعة ويحدث على الآخر الغشي وانحلال القوة وخاصة إن كان الأول كهلا والثاني صبيا فإن الموت يكون حينئذ أسرع إليهما . قال : ومتى كان في الأمعاء ثقل محتبس لم ينزل وعهده بطعام آخر قريب فإن كان شبا « 2 » فاحقنه ، وإن كان صبيا فحمله شيافة إلا ينزل الطعام من ذات نفسه نزولا جيدا ، وقال : التكميد يسخف الموضع ويحلل ويلطف ذلك الدم في الورم الحار ويرقه ويستفرغ

--> ( 1 ) في الأصل : قوية . ( 2 ) كذا والظاهر : شابا .