محمد بن زكريا الرازي
65
الحاوي في الطب
في المدة التي في الصدر ؛ قال : يحدث من دبيلة نضجت وانفرغت في الصدر إما لذات الجنب أو لغيره ، ويعرض في أول أمرها أعني حين يخرج الخراج ثقل في الصدر وتمدد ثم تهيج حميات دقيقة وسعال يابس كما يكون في ابتداء ذات الجنب ، فإذا كان الخراج مما ينضج وينضج « 1 » فإنه مما ينفتق بسبب المدة فيحدث نافض شديد ويحمر في غدة بجهد المكان ويهيج السعال ويسخن الأصابع وخاصة باطن الأصل ، وإن كان المدة قليلة فربما نقيت بالنفث ، وإن كانت كثيرة آل إلى السل ، وربما اندفع في مجاري البول والبراز من غير أن يهتك دم فرعيا يكون بطرق خفية للطبيعة ، ويفرق بين المدة والبلغم من الرائحة على النار لأنه منتن وأنه يرسب في الماء والبلغم يطفو ، ويعلم في أي جانب هي المدة ، ينوم العليل على جنبه مرة بعد مرة فأي جانب مال عليه فلم يحس في الأعلى بثقل معلق وليست فيه مدة ويجيء أيضا صوتها إذا قلبت العلل في الخراج الذي يريد أن ينضج وتنفتق وهو الدبيلة في الصدر والبطن ، قال : أكب عليه بالأضمدة واسق ماء الشعير أو ماء اللبن فإذا أردت أن تتقيح وعلمت أن النضج قد كان وعلامته سكون الحمى فاسق طبيخ الفراسيون والحاشا والتين والعسل ، فيعين على سرعة قيحها أكل السمك المالح وشرب القوقايا عند النوم ، أو يتخذ بالزوفا والحاشا والتي في قمع يدخله فيه ، والقيء يعينه إلا أنه يخاف أن يحدث فتقا عظيما جدا ينصب المدة صرفة ويخنق فيه خطر فإذا انفتقت المدة فانظر فإن حدست أنها قليلة ويمكن أن ينقى بالنفث فأعن الطبيعة بما يسهل ذلك بماء العسل والإيرسا والحاشا والزوفا ، واجعل الأغذية ملينة مسهلة ، فإن نفثت في أربعين يوما وإلا صار سلا ، وإن حدست أنها صعبة جذب القيح من الصدر بجاذبة القيح كثيرة لا يمكن أن ينقى بالنفث فينبغي أن يحمى مكوى رقيق ويثقب به الصدر وتنشف المدة بجاذبة القيح قليلا قليلا ويغسله بماء العسل ويجذبه ثم يقبل على الموضع حتى يلحمه . ابن سرابيون قال : ذات الرئة فلغموني تحدث في الرئة ويكون في الأكثر بعقب الزكام أو الخوانيق أو الربو ، وذات الجنب أو بعض النوازل من الرأس الحادة الحريفة إذا اندفعت الفضلة إلى الرئة فلم يمكنها دفعها عن نفسها ، وقد يحدث في بعض الأوقات ابتداء في الرئة ويكون مع هذا الوجع ضيق النفس وحمى حادة وثقل وتمدد في الصدر وامتلاء وتحمر وانتفاخ وحمرة الوجه وخاصة في الوجنتين لما يصعد إليها من البخارات الحادة ، قال : وإن كان ذات الرئة بعقب بعض الأمراض التي ذكرت وكانوا قد فصدوا في تلك العلة فلا تفصدهم وخل بعد ذلك البطن ثم اسقهم ماء الشعير بدهن اللوز الحلو والفانيذ فإذا سكن الوجع والحرارة فاستعمل الأحساء المتخذة من الشعير مع دهن اللوز والعسل ، فإذا بدأ النفث فاسقهم طبيخ الزوفا والإيرسا ، ومرخ الصدر ما دامت حرارة بالبنفسج والشمع الأبيض ولعاب بزر قطونا فإذا طفئت الحرارة فبالسمن والمخاخ ونحوهما .
--> ( 1 ) لعله : يتقيح .