محمد بن زكريا الرازي

412

الحاوي في الطب

وإن كان ولا بدّ فنحو انتصاف النهار ، لكن ليكن فيما بينه وبين العشاء مدة كافية ، واجعل عنايتك باعتدال الموضع الذي هم فيه ، واجر نحو عادتهم في الشرب على نحو عادتهم في اليوم الثاني ، اجهد ألا يسهروا فإن قلة النوم يجفف تجفيفا شديدا ، واجر في الأطعمة إلى ما في شهواتهم وعادتهم إليها وما لا يغني وتأباه نفوسهم ، واعلم أن من أصابه اليبس الذبولي في معدته فإنه لا يبرأ البتة وتبقى معدته باقي عمره كمعد الشيوخ وينهك دائما ، ومن أصابه ذلك في فؤاده فأمره يؤول إلى الذبول بسرعة وبعد هذا في السرعة الذبول الحادث عن الكبد ، وبعد هذا الذي مبدؤه من المعدة ، فأما الذبول الذي يبتدئ من سائر الأعضاء ففيه من طول المدة بحسب ما ينقص عن هذه الأعضاء ، وأما من جف جرم فؤاده جفوفا يسيرا فإنه يهرم سريعا إلا أنه على حال يعيش أكثر ممن يكون من اليبس الذي أنكأ فؤاده ، وتدبيرهم على حال التدبير الذي وصفنا من الترطيب من ظاهر وباطن ، وينبغي أن تعلم أن اليبس إذا أزمن معه البرد فليكن غرضك في علاجهم الإسخان المعتدل ، فإنك إن أسخنت الذين قد نقصت رطوباتهم التي في تجاويف الجداول الصغار إسخانا معتدلا يومين مع تحفظ التدبير ، احتمل في الثالث غذاء أغلظ وفي الرابع والخامس غذاء أصلح . وقال أيضا في « حيلة البرء » : إن المزاج الحار اليابس يميل البدن إلى النحافة ، والرياضة المسرعة والتدبير اللطيف والأدوية الملطفة والهموم والأرق يجعل المزاج أشد حرارة ويبسا فيورث بذلك الهزال ، وكذلك الإحضار الشديد نافض من اللحم جدا ، فمن احتجت أن تزيد في لحمه فاسقه من الشراب غليظا وأطعمه ما يولد دما غليظة « 1 » ورضه رياضة فيها إبطاء من الحركة وادلكه دلكا معتدلا ، وافعل به في الجملة ما تفعل بمن تريد إهزاله على ما ذكرنا هنالك ، وينفعهم الطلي بالزفت فيما بين كل ثلاثة أيام أو أربعة مرة فإن هذا دواء نافع من « 2 » تزييد اللحم ، وكذلك متى عرضت هذه العلة في عضو واحد فاطله بهذا الدواء فإن هذا بليغ في أكثر ما تريده من جميع من تريد أن يتزيد لحمه ، وذلك أنه يسخن ويرطب بسبب أنه يجتذب دما كثيرا ، ولذلك ينبغي لنا ألا ندمن استعماله في الأبدان العبلة ولا إذا كان موضع ينبغي لنا أن نستعمله فيه فينبغي لنا ألا نستعمله مرات كثيرة ، لكن حسبنا أن نستعمله في الشتاء مرتين وفي الصيف مرة واحدة تعين في كل علاج يعالج به ، فأما من قد ولد وشيء من أعضائه هزيل فإن النخاسين يداوونه بهذا الدواء مع تلذيع خفيف تلذعونه بالضرب بقضيب مستو أملس مدهون ، وللضرب مقدار معتدل به ملاك الأمر والعمل كله وهو مقدار ما ينتفخ به الجسم وقيل أن يضمر ولذلك يجب في كل عضو تريد الزيادة في لحمه أن تدلكه وتصب عليه ماء حارا أو تلذعه بالضرب حتى ينتفخ ، وتمسك عنه إذا أخذ ينتفخ على المكان قبل أن يأخذ في التحليل فإن جميع ما يسخن من شأنه أن يحلل ما ينجذب إليها إن طول وأبطأ في تسخينه ، وقد رأيت رجلا من النخاسين وقع إليه غلام ناقص الإليتين فزاد في

--> ( 1 ) كذا ولعله : غليظا . ( 2 ) كذا ولعله : في .