محمد بن زكريا الرازي

284

الحاوي في الطب

أن يفتق العروق أو ينصبّ إلى بعض الأعضاء فيحدث غلظا وأمراضا أخر رديئة فلذلك من الواجب المبادرة بالفصد . لي : كذلك حال الأعياء ، وأنا آمر بالفصد في ابتداء جميع العلل الامتلائية والصعبة وهي كالنقرس والرمد ووجع الكبد ، وأما من لم يكن به مرض وكان تركيبه جيدا فإنه متى كان مخلطا استعمل في استفراغ امتلائه الاستفراغ بالمسهل والفصد ، ومتى كان ضابطا لنفسه حسن التدبير كثيرا فاستفرغه بغير الفصد والإسهال بل بالدلك والحمام وسائر الحركات الباقية والأضمدة المحللة ، اللهم إلا أن يتبين لك أن الغالب في بدنه دم غليظ فإن هذا الدم هو في أكثر الأمر سوداوي وربما كان في الأغلب عليه الأخلاط النيّة ، فمن كان الغالب على بدنه الخلط السوداوي فالأولى أن تفصده أو تستعمل فيه الذي يخرج الخلط الأسود ، وأما من كان الغالب عليه الخلط النيّ فاستفرغه قبل أن بجذب به المرض مع توق وحذر ، وإذا حدث به الحمى فإياك والاستفراغ بالفصد أصلا ولا بالمسهل لكن بالدلك وغيره كما قلت آنفا ، واستدل على هؤلاء باللون الرصاصي الذي بين الصفرة والبياض وباختلاف النبض وسائر ما ذكرنا من الأدلة في باب الأخلاط ، وأما من كان انقطع عنه استفراغ دم كان يعتاده فافصده بثقة واتكال . الأولى من « القوى » : الأدوية المستفرغة للصفراء يجذب منها في الصيف أكثر مما تجذب منها في الشتاء وكذلك فإنها تجذب ممن مزاجه صفراوي صفراء كثيرة بسهولة ، ومن مزاجه بلغمي « 1 » بالضد ويجذب منه الخلط الصفراوي بجهد وكرب شديد وعسر وكذا الحال في كل دواء يخص به واجتذاب خلط من الأخلاط . لي : على هذا إن سقيت دواء لا يجد في البدن ما يجذبه عسر اجتذابه وأكربه . الثانية من « المفردة » ، قال : قد يعرض لبعض الأدوية طعم هو من طعم الأشياء التي تعقل البطن أعني العفص والحامض ونحوه ولا يتبين فيه حدة ولا غير ذلك مما يطلق البطن وهو يطلق البطن وهذه مركبة بالطبع ، كالحال إذا ألقينا نحن على كسر « 2 » السفرجل والسماق قليل سقمونيا فيكون جملة طعم المخلوط قابضا حامضا ولا يتبين للسقمونيا طعم البتة على أنه في النظر لا يتبين إلا فعله . قال : والناس يخلطون هذه لأنها جيدة لفم المعدة فلا يتبشعها الإنسان ولا تنقلب نفسه منها ولا يقدر على أخذها . لي : ينبغي أن ينظر في علة هذه لم هو ؟ أعني لم صار لا يتبين في الفم إلا القابض وفي البطن إلا المسهل ؟ هذا يكون كذلك لأن المقدار القليل كأنه في المثل للدانق من السقمونيا أن يسهل البطن وليس للدانق من السفرجل أن يعقل بل للرطل ، فإن ألقي دانق من السقمونيا في المثل مع رطل بلوط كان حريّا أن يقاومه فإنما ينبغي أن ينظر إلى فعلهما في البطن لا إلى ما يظهر من الطعم فأما كيف صار قد ظهر منه في الفم القبض وفي البطن الإسهال ؛ فلأن الفم إنما يظهر منه أكثر جزء للأقوى قوة

--> ( 1 ) في الأصل : بلغم . ( 2 ) في الأصل : كشر - بالشين .