محمد بن زكريا الرازي
5
كتاب القولنج
بسم اللّه الرحمن الرّحيم تصدير من مؤلفات الرازي الطبية ، التي أتيح لنا الاطلاع عليها ، قد يكون كتابه عن القولنج ، أوضحها إشارة إلى مميزات مؤلفه التي اشتهر بها ، وهي دقة الملاحظة السريرية ، والميل إلى التجربة في إقرار الحقائق العلمية . ذلك لأن مرض القولنج ظاهر الأعراض والعلائم ، فالقولون في الجوف البطني ، معاء سطحي التوضع ، سهل الجس ، واعتلاله يستنتج بيسر ، من مواضع ألمه ، ومن طبيعة ما يطرحه ، ومما هو ظاهر على سطح البطن من تبدلاته ، وهذه عناصر للتشخيص ، خاضعة في معظمها للملاحظة السريرية المجردة ، التي كان الرازي علما من أعلامها . لقد كان الطب في عصر الرازي ، محاطا بهالة من العقائد الفلسفية ، وظل كذلك أجيالا عديدة بعد الرازي ، حتى القرن الثامن عشر الميلادي الذي شهد تطورا في علم الغريزة ، والكيمياء الحيوية ، وشهد أيضا تطور المجهر ، وما أتاحه من اكتشافات في علم النسج ، وعلم الأحياء الدقيقة ، الممرضة منها خاصة . وطرأ نتيجة لهذا التطور ، تحول في تعليل العرض السريري ، إلا أن وصف العرض لم يتبدل . لقد وصف الرازي في الجزء الثامن من كتابه الحاوي أعراض الزحار بدقة كبيرة ، ووصفه هذا لم يضف عليه شيء حتى اليوم . وهكذا يظل تراثنا الطبي قائما عبر القرون ، شاهدا على جدارة رواده ومبدعيه ، وداعيا إلى تثبيت صفحاته في سجلات تاريخ العلوم ، كنتاج حضاري ، لفكر إنساني أصيل ، قاد الحضارة قرونا عديدة .